رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الفن العراقي الحديث يستعرض لوحات الرواد في الدوحة


المشاهدات 1055
تاريخ الإضافة 2026/10/13 - 10:28 PM
آخر تحديث 2026/10/14 - 1:23 AM

يستعد الفن العراقي الحديث للعودة إلى واجهة المشهد الثقافي العربي، عبر اهتمام متجدد بتجربة جماعة بغداد للفن الحديث، التي ساهمت في صياغة واحدة من أبرز محطات الحداثة التشكيلية في المنطقة.
وتنطلق، في الخامس والعشرين من تشرين الأول الحالي، فعاليات مهرجان المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة، بافتتاح معرض بعنوان “ما الذي يبقى في ذهن الفنان: تجارب جماعة بغداد للفن الحديث وإرثها”، الذي يستمر حتى السادس من شباط عام 2027.
ويضم المعرض لوحات ومنحوتات ورسومات وصوراً فوتوغرافية ووثائق أرشيفية، في محاولة لإعادة قراءة تجربة فنية تجاوز تأثيرها حدود العراق، وأسهمت في تشكيل اتجاهات متعددة في الفن العربي الحديث.
ولا تقتصر أهمية هذا الحدث على الأعمال المعروضة، بل تمتد إلى الأسئلة التي يطرحها بشأن علاقة الفن بالهوية والذاكرة، وقدرة التجارب المحلية على التحول إلى لغة إنسانية تتجاوز حدود المكان، من دون أن تتخلى عن جذورها.
تجربة تأسيسية في الفن العراقي
وتأسست جماعة بغداد للفن الحديث عام 1951 على يد الفنانين جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد، في مرحلة شهد فيها العراق تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية عميقة، وتطلع إلى بناء ملامح هويته الحديثة.
وسعت الجماعة إلى تأسيس لغة تشكيلية عراقية لا تستنسخ التجارب الغربية، ولا تنغلق في القوالب التراثية، بل تستلهم حضارة بلاد الرافدين ورموزها، والتقاليد الإسلامية ومفردات الحياة العراقية، وتعيد صياغتها ضمن رؤى فنية معاصرة.
ومن خلال التجريب في الشكل والخط والرمز والتكوين، فتحت الجماعة مسارات جديدة أمام الفن العراقي، وأسهمت في ترسيخ فكرة أن التراث ليس مادة جامدة تُستعاد كما كانت، بل طاقة قابلة لإعادة التفسير ومنطلق لإنتاج أشكال فنية تعبّر عن الحاضر وتطلعاته.
ويستعيد المعرض تجارب عدد من الفنانين الذين تركوا بصماتهم في تاريخ الفن العراقي، من بينهم جواد سليم، وشاكر حسن آل سعيد، ونزيهة سليم، ولورنا سليم، ومحمد غني حكمت، وفائق حسن، وخالد الرحال، وكاظم حيدر، وضياء العزاوي، إلى جانب فنانين آخرين ارتبطوا بهذه التجربة أو تأثروا بأفكارها.
وتبرز أهمية هذه الأسماء في تنوع مساراتها الفنية وقدرتها على التعبير عن العراق بطرائق مختلفة، فيما يسلط المعرض الضوء على أعمال بارزة، بينها لوحة “بغداديات” لجواد سليم، المنجزة عام 1956، وسلسلة “ألف ليلة وليلة” لشاكر حسن آل سعيد، ولوحة “امرأة مع طائر” لنزيهة سليم.
كما يتناول المعرض أعمالاً ووثائق مرتبطة بـ”نصب الحرية” في بغداد، الذي ارتبط تصميمه باسم جواد سليم، واستكمل تنفيذه النحات محمد غني حكمت.
ولا تبدو هذه الأعمال مجرد شواهد على مرحلة مضت، بل مفاتيح لقراءة التحولات التي شهدها المجتمع العراقي، وما حملته من أسئلة عن المدينة، والإنسان، والذاكرة، والانتماء.
وتتجاوز تجربة جماعة بغداد للفن الحديث حدود الاحتفاء بالماضي، لتفتح المجال أمام التفكير في مصير التراث الفني العراقي، وضرورة حماية مجموعاته وأرشيفاته وإتاحتها للباحثين والأجيال الجديدة، كي لا تتحول الذاكرة التشكيلية إلى تاريخ من الأسماء المتفرقة والأعمال المنعزلة.
ويأتي معرض الدوحة في وقت يتواصل فيه الاهتمام الإقليمي بهذه التجربة، إذ أعاد معرض “كل أشكال التجريب.. إرث جماعة بغداد للفن الحديث” فتح أبوابه في معرض جامعة نيويورك أبو ظبي للفنون، مع تمديد عرضه حتى الثالث من كانون الثاني عام 2027.
وتكمن دلالة العودة إلى تجربة جماعة بغداد للفن الحديث في أنها لا تستعيد زمناً مضى فحسب، بل تعيد اكتشاف ما لا يزال قادراً على الاستمرار منه، فالأعمال الفنية العظيمة تظل حية لأنها تترك أسئلة مفتوحة يواصل الحاضر طرحها.
ولا يمثل معرض الدوحة حدثاً فنياً فحسب، بل مناسبة لإعادة اكتشاف الفن العراقي والتأكيد على حاجة العراق إلى مواصلة توثيق إرثه التشكيلي وحمايته وتقديمه للأجيال الجديدة، بوصفه جزءاً أساسياً من ذاكرته الثقافية وهويته الحضارية.


تابعنا على
تصميم وتطوير