
مع عودة عجلة الدوري العراقي لكرة القدم إلى الدوران مجدداً، تستعيد الملاعب حيويتها، وتعود الجماهير إلى المدرجات، وتبدأ الأندية رحلة جديدة في سباق المنافسة. غير أن هذه العودة، على أهميتها، ينبغي ألا تختزل المشهد الرياضي العراقي في حدود المستطيل الأخضر، ولا أن تحجب أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الرياضة العراقية وقدرة مؤسساتها على تجاوز الأزمات وبناء منظومة مستقرة.
فالسؤال المطروح الآن: ماذا أعددنا ليكون ما بعد العودة أفضل مما قبلها؟ وهل نمتلك رؤية رياضية متكاملة، أم أننا ما زلنا ندور في حلقة المواسم المتعاقبة، فيما تبقى الملفات الأساسية مؤجلة؟
لقد أصبحت كرة القدم الواجهة الأكثر حضوراً في المشهد الرياضي، بفعل شعبيتها الواسعة وقدرتها على استقطاب الاهتمام الإعلامي والجماهيري. لكن هذه المكانة، على أهميتها، لا ينبغي أن تجعلها المقياس الوحيد لنجاح الرياضة العراقية، فهناك ألعاب فردية تمتلك تاريخاً من الإنجازات، لكنها تحتاج إلى بنى تحتية متخصصة وبرامج إعداد مستمرة، وهناك مواهب شابة تنتظر فرصتها، وأندية واتحادات تحتاج إلى بيئة مؤسسية مستقرة تتيح لها التخطيط والعمل بعيداً عن الحلول المؤقتة.
فالمشكلة ليست في الاهتمام بكرة القدم، بل في اختلال التوازن عندما تستحوذ لعبة واحدة على مساحة المشهد، بينما تتراجع بقية الألعاب في سلم الأولويات. كما أن استمرار الدوري، مهما بلغت أهميته، لا يعفي الجهات المعنية من مسؤولية تطوير الفئات العمرية، وتعزيز المدارس الكروية، وتأهيل المدربين، وتحديث المنشآت، وترسيخ الحوكمة والاستقرار الإداري والمالي.وفي ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها البلد، لم يعد ممكناً التعامل مع الرياضة بوصفها نشاطاً يستهلك الموارد فحسب، بل المطلوب هو تحويلها إلى استثمار في الإنسان، وفرصة لتشغيل المنشآت بكفاءة، وجذب الرعاية، وتطوير التسويق والحقوق التجارية، وفتح المجال أمام شراكات مدروسة بين القطاعين العام والخاص، مع ضمان الشفافية وحماية المصلحة العامة.
إن المسؤولية هنا مشتركة، لكنها ليست متطابقة ، فالحكومة ووزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية والاتحادات والأندية مطالبة بالعمل المتكامل، كلٌّ وفق اختصاصه، ضمن أهداف قابلة للقياس وخطط زمنية واضحة، لا بمجرد بيانات تتكرر عند انطلاق البطولات.
إن عودة الدوري بعد التوقف فرصة ينبغي استثمارها، فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بصافرة البداية وحدها، بل بما يتحقق خارج الملاعب أيضاً.
هذا السؤال يقودنا إلى ملف لا يقل أهمية ألا وهو الألعاب الفردية التي صنعت جانباً من أمجاد العراق، لكنها اليوم تحتاج إلى مراجعة جادة تعيد إليها فرص التطور والمنافسة.فهل ستجد كلماتنا من يقرأ ليبدأ تحريك عجلة الإصلاح.
للحديث بقية.