رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حكومة مغربية بنون النسوة الدلالات والأبعاد


المشاهدات 1186
تاريخ الإضافة 2026/10/03 - 9:50 PM
آخر تحديث 2026/10/05 - 12:53 AM

من حيث الشكل يبدو ما حدث في المغرب أمراً طبيعياً معتاداً في التجارب الديمقراطية المتقدمة.. فإن تتولى سيدة مسؤولية رئاسة الحكومة، فذلك من باب القول إن السماء فوق رؤوسنا، وأنه حدث عادي يحدث ويتكرر حدوثه في كثير من التجارب الديمقراطية. كما إن المرأة ليست أقل شأنا من الرجل، ولا أن منصبا أو موقعا أو مسؤولية في المجتمع محفظة باسم جنس معين كان رجلا أو امرأة، بل المنطق والقانون يحتمان سيادة العدالة والمساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن الجنس والعرق واللون والانتماء الجغرافي.. من هذه الزاوية فإن تعيين سيدة لتحمل مسؤولية رئاسة أهم مؤسسة دستورية تنفيذية في البلاد سلوك عادي يندرج في إطار الممارسة السياسية الديمقراطية.
لكن حينما نقلب وجه العملة فيما جرى، فإنه يتحتم القول إن تعيين سيدة في منصب رئاسة الحكومة وتكليفها تشكيل حكومة جديدة في المغرب يعد حدثا كبيرا جدا غير مسبوق في تاريخ التجارب الحكومية المغربية، حيث كان هذا المنصب حكرا على الرجال الذين تعاقبوا عليه طيلة أكثر من سبعين عاماً.
تفسير ما حدث يبدأ من مرجعية دستورية صرفة، وتحديدا من الإصلاح الدستوري الكبير الذي انطلق من دستور 2011 الذي نقل صلاحية تعيين رئيس الحكومة من حرية اختيار جلالة الملك لرئيس الحكومة من دون أي قيد أو شرط، إلى حصر هذا التعيين من الحزب الذي احتل المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، وبذلك فإن صلاحية الملك المتعلقة بهذا التعيين أصبحت مشروطة ومحددة.. وبما إن حزب الأصالة والمعاصرة احتل المرتبة الأولى في الانتخابات التي جرت في بداية الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، فإن تعيين رئيس الحكومة الجديدة أصبح مقتصرا على شخصية قيادية من هذا الحزب، وبذلك فإن جلالة الملك التزم بمنطق الدستور وامتثل إليه بأن عين المنسقة العامة للحزب الذي احتل المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة رئيسة للحكومة، وكلفها تشكيل الحكومة الجديدة.
وبعيدًا عن القراءة الدستورية، فإن الحدث حفل بكثير من الدلالات السياسية بالخصوص، وهو يندرج في مسار الحداثة السياسية الذي قاده ملك أولى لقضية المرأة اهتماما خاصا واستثنائيا مند توليه سدة الحكم منذ (27) عاماً، مكن المرأة المغربية من مراكمة مكاسب وازنة على كل المستويات، شملت الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
ولا جدال في أن تعيين سيدة في رئاسة ثاني أهم منصب في هرم الدولة يتميز بشجاعة سياسية كبيرة جدا، في بلد لاتزال تحكمه ثقافة ذكورية شبه مطلقة على جميع المستويات والأصعدة، حيث تمثل هذه الخطوة ما يشبه سابقة في تاريخ المسارات السياسية في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط.. وحظي قرار تعيين امرأة بمنصب رئيسة الحكومة المغربية باهتمام كبير من العديد من الجهات، حيث كان محل إشادة وتنويه من طرف الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي، ومن طرف العديد من المنظمات النسائية والحقوقية الدولية، ومن طرف مختلف العواصم الأوروبية، التي رأت فيه خطوة كبيرة في بلد يصر على مواصلة السير باتجاه تطوير مشروعه الديمقراطي الناشئ.
وهكذا يقدم المغرب مرة أخرى نموذجاً واضحاً ودالاً في مجال الممارسة السياسية في تجربة ديمقراطية ناشئة تواجه تحديات وصعوبات كثيرة ومتعددة في الداخل كما في محيطها الإقليمي والجهوي، لكنها تمتلك من عناصر القوة ما يؤهلها لمواصلة مسار التطور.


تابعنا على
تصميم وتطوير