
تأليف: إيف ماري لولان
يُعد كتاب «بلقنة العالم» (La planète balkanisée) من أبرز الأعمال الجيوسياسية التي صدرت في مطلع التسعينيات، وهو من تأليف إيف ماري لولان، الخبير الاقتصادي والجيوسياسي الفرنسي الذي شغل مناصب رفيعة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وعمل أستاذاً في عدة جامعات. صدر الكتاب في أعقاب التحولات الكبرى التي شهدها العالم: انهيار الاتحاد السوفيتي، حرب الخليج الثانية، وصعود ألمانيا الموحدة. يحاول لولان في هذا الكتاب رسم خريطة جديدة للعالم بعد الحرب الباردة، محذراً من أن العالم يسير نحو «بلقنة» شاملة، أي تفتيت وتقسيم للكيانات السياسية والاقتصادية، وليس نحو نظام عالمي جديد مستقر. وقد ترجم الكتاب إلى العربية بتقديم ومراجعة الأديب السوري أديب الفاضل، وصدر عن دار الفاضل بدمشق عام 1993 .
تتمحور أطروحة الكتاب حول أن نهاية الحرب الباردة لم تؤدِّ إلى نظام عالمي جديد مستقر، بل إلى «بلقنة» شاملة للعالم. والبلقنة هنا لا تعني فقط التفتيت الجغرافي للدول، بل تعني أيضاً تجزؤ القرار السياسي، وتفكك الأطر الاقتصادية الكبرى، وعودة النزعات القومية والدينية والأصولية. يرى لولان أن «عالمية الاقتصاد» و»بلقنة القرار السياسي» يسيران جنباً إلى جنب: فبينما تتجه الأسواق والمال والشركات نحو العولمة، يتجه القرار السياسي نحو التشرذم والتفتت. ويُحذر المؤلف من أن هذا التناقض بين الاقتصاد الموحَّد والسياسة الممزقة سيؤدي إلى عالم من الفوضى وعدم اليقين، ما لم يتمكن بعض القادة من «التقاط الإشارة التي يمدها التاريخ» وإعادة النظام .
المحاور الأساسية
1. الأزمتان التوأم: الشرق والخليج
يفتتح لولان كتابه بتحليل الأزمتين الكبيرتين اللتين هزتا مطلع التسعينيات: حرب الخليج الثانية (1990-1991) وانهيار الاتحاد السوفيتي. يرى أن هاتين الأزمتين ليستا حدثين منفصلين، بل هما وجهان لعملية واحدة: تفكك النظام العالمي القديم الذي قام على الثنائية القطبية. ويشير إلى أن حرب الخليج كشفت عن هشاشة النظام العربي وتبعية بعض أنظمته للخارج، بينما كشف انهيار الاتحاد السوفيتي عن هشاشة النظام الشيوعي وعن موجة القوميات التي انفجرت في أوروبا الشرقية .
1. الإشكالية الجديدة للأمن
بعد انتهاء الحرب الباردة، يطرح لولان سؤالاً: ما هو الأمن في عالم بلا أقطاب؟ ويجيب بأن الأمن لم يعد يُعرَّف بالمعنى العسكري التقليدي (مواجهة عدو محدد)، بل أصبح مهدداً من داخل الدول عبر النزاعات العرقية والدينية والإقليمية، ومن خارجها عبر الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل والجريمة المنظمة. ويشير إلى أن «انفجار الكرة المالية» و»الإنفجار الديمغرافي العالمي» هما تهديدان بنيويان للأمن العالمي الجديد .
1. إعادة بناء بلدان الشرق الأوروبي
يحلل لولان التحولات الجذرية في أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين: الانتقال من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق، ومن الديكتاتورية إلى الديمقراطية. لكنه يحذر من أن هذه التحولات ليست سهلة، وأن النزعات القومية والمشاكل العرقية التي كبتها النظام الشيوعي قد تنفجر وتؤدي إلى حروب أهلية وتفتيت الدول، كما حدث في يوغوسلافيا. ويتساءل: «هل هي نهاية الإمبراطورية الحمراء؟» ويجيب بأن النهاية لا تعني السلام، بل قد تعني فوضى عارمة .
1. عالمية الاقتصاد وبلقنة القرار السياسي
هذا هو المحور المركزي في الكتاب. يرى لولان أن الاقتصاد أصبح عالمياً (عولمة الأسواق والمال والشركات)، بينما القرار السياسي أصبح مبلقناً (مفتتاً بين دول ومناطق وقوميات). هذا التناقض بين «الاقتصاد الموحَّد» و»السياسة الممزقة» هو المصدر الأساسي لعدم الاستقرار العالمي. ويحذر من أن الأسواق المالية أصبحت أقوى من الحكومات، وأن المضاربة والأزمات المالية ستكون أكثر تكراراً وعنفاً .
1. الأصولية الإسلامية في مواجهة الغرب
يخصص لولان فصلاً لظاهرة الأصولية الإسلامية التي برزت بقوة في الثمانينيات والتسعينيات. يرى أنها ليست مجرد رد فعل ديني، بل هي رد فعل سياسي واجتماعي على فشل النماذج التنموية الغربية والمحلية في العالم الإسلامي، وعلى الشعور بالمهانة والتبعية. ويحذر من أن الأصولية قد تشكل تهديداً للاستقرار العالمي، لكنه يرفض اختزالها في صورة «الإرهاب» فقط .
1. العالم الثالث: نهاية خرافة
ينقد لولان مفهوم «العالم الثالث» بوصفه مفهوماً تجاوزه الزمن. يرى أن دول العالم الثالث لم تعد كتلة واحدة، بل انقسمت إلى دول صاعدة (مثل دول جنوب شرق آسيا) ودول غارقة في الفقر والصراعات. ويشير إلى أن الإنفجار الديمغرافي في هذه الدول هو القنبلة الموقوتة التي تهدد الاستقرار العالمي، وأن الهجرة من الجنوب إلى الشمال ستكون التحدي الأكبر في القرن الحادي والعشرين .
1. الإنفجار الديمغرافي العالمي
يُعد هذا الفصل من أهم فصول الكتاب وأكثرها استشرافاً. يحلل لولان النمو السكاني غير المنضبط في أفريقيا وآسيا، ويحذر من أن شيخوخة السكان في أوروبا واليابان مقابل شبابية السكان في الجنوب ستؤدي إلى اختلالات جيوسياسية كبرى. ويتساءل عن مصير «أوروأفريقيا» (EurAfrique): هل ستؤدي الهجرة إلى «دم جديد» في شرايين أوروبا الشيخوخة، أم إلى صدام حضارات وإرباك للأسس الاجتماعية لأوروبا؟ .
المغزى الفكري
يكشف الكتاب عن تناقض جوهري في النظام العالمي الجديد: بين عولمة الاقتصاد وبلقنة السياسة. ويحذر من أن هذا التناقض سيؤدي إلى عالم من الفوضى والصراعات، ما لم يتم إعادة بناء نظام سياسي عالمي يستوعب التنوع الثقافي والقومي. كما يُقدم الكتاب رؤية استشرافية للتحديات التي ستواجه العالم في القرن الحادي والعشرين: الإرهاب، الأصولية، الهجرة، الأزمات المالية، الإنفجار الديمغرافي. وبذلك، يُعد الكتاب وثيقة مهمة لفهم لحظة الانتقال من الحرب الباردة إلى عالم ما بعد القطبية الثنائية، بكل ما فيها من آمال ومخاوف.
الخلاصة النهائية
«بلقنة العالم» هو كتاب جيوسياسي شامل يقدم تشخيصاً قاتماً لعالم ما بعد الحرب الباردة. يرى لولان أن العالم لم يشهد «نظاماً جديداً» بل شهد بلقنة شاملة: تفتت سياسي، تفكك اقتصادي، عودة القوميات والأصوليات. ومع أن الكتاب كُتب في مطلع التسعينيات، إلا أن رؤاه الاستشرافية حول الإرهاب والهجرة والأزمات المالية والديموغرافية ما تزال راهنة بدرجة مذهلة. ويبقى الكتاب مرجعاً أساسياً لكل من يريد فهم الجذور الفكرية للنقاشات المعاصرة حول «النظام العالمي الجديد» و»إعادة تشكيل الشرق الأوسط» و»صدام الحضارات».
سؤال للنقاش
يرى لولان أن العالم يسير نحو «بلقنة شاملة»: تفكك سياسي واقتصادي وثقافي، مع عودة النزعات القومية والدينية. وفي ضوء ما نشهده اليوم من حروب في غزة وأوكرانيا والسودان، ومن صعود اليمين القومي في أوروبا والغرب، ومن تفتت التحالفات الدولية، هل يمكن القول إن نبوءة لولان قد تحققت؟ أم أن العالم يشهد إعادة تشكيل لنظام جديد، وليس مجرد «بلقنة»؟ وكيف يمكن للعرب، الذين يقعون في قلب هذه التحولات، أن يتعاملوا مع هذه «البلقنة» دون أن يكونوا ضحاياها فقط؟