رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة


المشاهدات 1079
تاريخ الإضافة 2026/09/27 - 8:07 PM
آخر تحديث 2026/09/28 - 12:54 AM

تأليف: جون بلامي فوستر
ينطلق فوستر من أطروحة أساسية مفادها أن فهم السياسة الأمريكية المعاصرة يقتضي إعادة النظر في العلاقة بين الطبقة الرأسمالية والدولة. ويرى أن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة دولة ديمقراطية مستقلة عن المصالح الاقتصادية للطبقة الرأسمالية أخفى، في نظره، حجم النفوذ السياسي الذي تملكه الثروة ورأس المال. ويضع فوستر عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة في سياق تاريخي أطول من مجرد شخصية ترامب أو انتخابات 2024. فبالنسبة إليه، المسألة تتعلق بتحول العلاقة بين الثروة والسلطة والدولة، وبظهور شكل أكثر مباشرة من مشاركة أصحاب الثروات الكبرى في ممارسة السلطة السياسية. وهذه قراءة فوستر الماركسية للمشهد الأمريكي، وليست وصفًا محايدًا متفقًا عليه من جميع الباحثين.
المحاور الرئيسية 
من «التعددية» إلى سؤال الطبقة الحاكمة
يبدأ المقال باستعراض تاريخ طويل من الجدل حول سؤال: من يحكم الولايات المتحدة؟
يشير فوستر إلى أن تيارًا واسعًا في الفكر السياسي الأمريكي رفض فكرة وجود «طبقة حاكمة» تتحكم في الاقتصاد والدولة معًا. ويستشهد بأعمال جيمس برنهام، وجوزيف شومبيتر، وروبرت دال، وجون كينيث غالبريث، التي قدمت تصورات مختلفة للتعددية السياسية أو للنخب الإدارية والتقنية.
وفق هذا التصور، لا توجد طبقة واحدة تحكم الدولة، وإنما تتنافس جماعات ومصالح متعددة، ويقوم السياسيون بالتنافس على أصوات الناخبين. ويرى فوستر أن هذا التصور يفصل بين القوة الاقتصادية والقوة السياسية، بحيث يمكن الاعتراف بوجود أثرياء وشركات قوية اقتصاديًا، مع افتراض أن الدولة تظل مستقلة عنهم سياسيًا.
سي. رايت ميلز و«نخبة القوة»
ينتقل فوستر إلى كتاب «نخبة القوة» لسي. رايت ميلز الصادر عام 1956.
كان ميلز، بحسب عرض فوستر، ينتقد مفهوم «الطبقة الحاكمة» الماركسي ويفضل الحديث عن «نخبة قوة» تتكون أساسًا من ثلاثة مواقع مترابطة: النخبة الاقتصادية، والقيادة العسكرية، والقيادة السياسية.
ويرى ميلز أن اختزال السلطة الأمريكية في طبقة رأسمالية واحدة يمثل تبسيطًا للمشهد السياسي. لكن فوستر يعترض على هذا الاتجاه، ويرى أن استبدال مفهوم الطبقة الحاكمة بمفهوم «نخبة القوة» قد يحجب الأساس الاقتصادي للسلطة السياسية.
ميلباند وبولانتزاس: هل الدولة مستقلة عن الطبقة الرأسمالية؟
يخصص المقال مساحة مهمة للجدل الماركسي حول الدولة، وخصوصًا النقاش بين رالف ميلباند ونيكوس بولانتزاس.
السؤال الأساسي في هذا الجدل هو: ما مقدار استقلال الدولة عن الطبقة الرأسمالية؟
يمثل ميلباند، في العرض الذي يقدمه فوستر، الاتجاه الذي يركز على العلاقات المباشرة بين الطبقة الرأسمالية ومؤسسات الدولة، بينما ركز بولانتزاس بصورة أكبر على البنية المؤسسية للدولة وعلى استقلالها النسبي.
ومن هنا يصل المقال إلى قضية أساسية: حتى إذا لم تكن الدولة مجرد أداة مباشرة في يد الرأسماليين، فهل يمكن أن تكون مستقلة تمامًا عن النظام الرأسمالي ومصالح تراكم رأس المال؟
فريد بلوك: «الطبقة الحاكمة لا تحكم»
يناقش فوستر أيضًا مقال فريد بلوك الشهير «الطبقة الحاكمة لا تحكم» الصادر عام 1977. كان بلوك يرى أن الطبقة الرأسمالية لا تتحول تلقائيًا من طبقة اقتصادية إلى قوة سياسية موحدة، وأن الدولة تتمتع بدرجة من الاستقلال تسمح لها باتخاذ سياسات قد لا تتطابق بصورة مباشرة مع رغبات الرأسماليين الأفراد. ويولي فوستر أهمية كبيرة لهذه المسألة لأنه يرى أن هذا النوع من التحليل أصبح أكثر صعوبة في ضوء التطورات السياسية الأمريكية الأخيرة، وخصوصًا مع عودة ترامب وازدياد حضور أصحاب المليارات داخل السلطة التنفيذية.
الرأسمالية والنيوليبرالية
بعد ذلك يربط فوستر مسألة الطبقة الحاكمة بالتحول النيوليبرالي الذي بدأ يتبلور بقوة منذ سبعينيات القرن العشرين.
ويستشهد بموقف بول باران وبول سوِيزي، اللذين اعتبرا أن النظام الأمريكي، رغم مظاهره الديمقراطية، يتأثر بصورة عميقة بالقوة الاقتصادية للطبقة الرأسمالية.
ثم يناقش مذكرة لويس باول عام 1971، التي دعا فيها إلى تنظيم دفاع أقوى عن نظام «المشروع الحر» في مواجهة ما اعتبره تهديدات من اليسار والحركات الاجتماعية.
ويربط فوستر هذه التطورات بالتحولات اللاحقة التي شملت إضعاف النقابات، وإعادة هيكلة الاقتصاد، والخصخصة، والتمويل المالي المتزايد للاقتصاد، وتراجع بعض أشكال دولة الرفاه التقليدية. من الأزمة الاقتصادية إلى التحول السياسي
وفق تحليل فوستر، أدت التحولات النيوليبرالية إلى اتساع التفاوت الاقتصادي وإلى أزمات اجتماعية وسياسية متراكمة.
وهنا يناقش صعود «حركة حزب الشاي» ثم انتقال جزء من هذه الطاقة السياسية إلى حركة «اجعلوا أمريكا عظيمة مجددًا».
ويقدم فوستر تفسيرًا طبقيًا لهذا التطور؛ فهو يرى أن قطاعات من الطبقة الوسطى الدنيا، وأصحاب الأعمال الصغيرة وبعض الفئات المحافظة، أصبحت قاعدة اجتماعية لحركة سياسية ارتبطت بقطاعات من رأس المال الكبير. وهذا من أكثر أجزاء المقال ارتباطًا بإطار فوستر النظري؛ فهو لا يفسر صعود ترامب بوصفه ظاهرة انتخابية منفصلة، وإنما بوصفه تحالفًا سياسيًا بين مصالح اقتصادية عليا وقطاعات اجتماعية محافظة.
ترامب والمليارديرات
ينتقل فوستر إلى المرحلة الثانية من رئاسة ترامب، ويرى أن الجديد ليس مجرد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وإنما حجم الحضور المباشر لأصحاب الثروات الكبيرة في الإدارة.
ويشير إلى أن إدارة ترامب الثانية ضمت عددًا كبيرًا من أصحاب المليارات، ويستخدم هذه الظاهرة لدعم أطروحته بأن العلاقة بين رأس المال والسلطة السياسية أصبحت أكثر وضوحًا ومباشرة. كما يناقش علاقة ترامب بمؤسسات اليمين المحافظ، ومنها مؤسسة التراث ومشروع 2025، ويضع ذلك ضمن تحوله الأوسع الذي يراه في بنية الدولة الأمريكية.
الخلاف داخل الطبقة الرأسمالية
لا يقدم فوستر الطبقة الرأسمالية بوصفها كتلة سياسية متجانسة تمامًا.
بل يشير إلى وجود انقسامات داخلها، ويعتبر أن الصراع السياسي في الولايات المتحدة يمكن أن يعكس اختلافات بين قطاعات مختلفة من رأس المال وبين مصالح اقتصادية وسياسية متباينة. ومن هنا فإن صعود ترامب، في تحليله، لا يعني ببساطة أن «الرأسماليين» جميعًا اتفقوا على شخص واحد، وإنما يعكس تحولات وانقسامات داخل النخبة الاقتصادية نفسها.
بايدن وترامب في تحليل فوستر
يناقش المقال أيضًا أطروحة فريد بلوك التي رأت أن استقلال الدولة عن الطبقة الرأسمالية يمكن أن يتيح للرئيس بايدن تنفيذ سياسات أكثر قربًا من مصالح الطبقة العاملة.
ويستخدم فوستر نتائج السنوات التالية للطعن في هذا التصور، ويرى أن سياسات الحزب الديمقراطي لم تؤدِّ، من وجهة نظره، إلى معالجة التفاوتات الاقتصادية والسياسية التي ساعدت على خلق الظروف التي عاد فيها ترامب إلى السلطة. وهنا يجب التأكيد أن هذا استنتاج فوستر وتفسيره السياسي، وليس حقيقة محايدة يتفق عليها الباحثون جميعًا.
الخلاصة النظرية للمقال
في الجزء الأخير يعود فوستر إلى السؤال الذي بدأ به: هل توجد في الولايات المتحدة طبقة حاكمة؟
إجابته هي نعم، ويجادل بأن التركيز المفرط على «نخبة القوة» أو على استقلال الدولة يؤدي إلى التقليل من أهمية القوة الاقتصادية للرأسمالية. ويرى أن التطورات المعاصرة جعلت العلاقة بين الثروة والسلطة أكثر ظهورًا، وأن وجود أصحاب المليارات في مواقع سياسية عليا يمثل، في نظره، دليلًا على انتقال النفوذ الرأسمالي من التأثير غير المباشر إلى حضور أكثر مباشرة في الدولة.
ومن ثم يرى فوستر أن اليسار، في تقديره، يحتاج إلى إعادة التفكير في مفهوم «الطبقة الحاكمة» بدل التخلي عنه باعتباره مفهومًا مبسطًا أو دوغمائيًا.
المغزى الفكري
أهمية المقال لا تكمن فقط في حديثه عن ترامب، بل في أنه يعيد فتح سؤال كلاسيكي في النظرية السياسية الحديثة:
هل الدولة الرأسمالية مؤسسة مستقلة عن الطبقات الاقتصادية، أم أن استقلالها محدود بسبب البنية الاقتصادية وعلاقات القوة؟
ولهذا يجمع فوستر بين تاريخ الفكر السياسي الأمريكي، والنظرية الماركسية للدولة، وتحليل الرأسمالية النيوليبرالية، ثم يربط هذه المسائل بالتحولات التي شهدتها الولايات المتحدة في عهد ترامب. وبذلك يمكن قراءة المقال بوصفه محاولة لإعادة صياغة مفهوم «الطبقة الحاكمة» لفهم السياسة الأمريكية الراهنة.
ملاحظة نقدية
المقال مكتوب بوضوح من داخل المنظور الماركسي لمجلة «مونثلي ريفيو»، ولذلك فإن مفاهيم مثل «الطبقة الحاكمة»، و«الأوليغارشية»، و«الرأسمالية الاحتكارية»، و«الفاشية الجديدة» تأتي ضمن الإطار النظري الذي يتبناه فوستر.
كما أن المقال لا يكتفي بوصف الأحداث، بل يستخدمها لتأييد أطروحة نظرية مسبقة حول العلاقة بين رأس المال والدولة. لذلك من المفيد عند قراءته مقارنته بمدارس أخرى في علم الاجتماع السياسي ونظرية الدولة، خصوصًا التعددية ونظرية النخبة ونظريات الاستقلال النسبي للدولة.


تابعنا على
تصميم وتطوير