رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حين تتحول الذاكرة إلى وطن


المشاهدات 1085
تاريخ الإضافة 2026/09/27 - 8:07 PM
آخر تحديث 2026/09/28 - 12:53 AM

سناء النقاش
ليست الذاكرة مجرد مكان نعود إليه حين نشتاق إلى الماضي، ولا الصور القديمة مجرد وجوه ابتسمت للكاميرا ثم غابت في ألبومات العائلة. الذاكرة، في حياة الشعوب، وسيلة لحفظ الهوية، وما لم يُكتب عن الذين صنعوا الثقافة والفن والأدب والصحافة، قد يتحول مع مرور الزمن إلى فراغ لا تستطيع الأجيال الجديدة ملأه.
من هذه الفكرة يمكن النظر إلى المشروع التوثيقي الذي يواصل الصحفي والأديب قحطان جاسم جواد بناءه عبر أجزاء كتابه «بورتريه لذاكرة بيضاء»، الذي صدر حديثًا جزؤه الرابع في نحو 220 صفحة، بمقدمة للدكتور كاظم المقدادي، مواصلًا مشروعًا بدأ قبل سنوات لتسجيل حياة وتجارب شخصيات عراقية في الصحافة والأدب والفن والثقافة.
فالكتاب، في ظاهره، مجموعة من السير والبورتريهات، لكنه في جوهره محاولة لإنقاذ الذاكرة الثقافية العراقية من النسيان. وقحطان جاسم لا يتعامل مع الشخصية بوصفها اسمًا مشهورًا أو سيرة جاهزة تبدأ بالولادة وتنتهي عند قائمة المؤلفات والجوائز، وإنما يحاول الاقتراب من الإنسان الذي يقف خلف الاسم.
ومنذ الجزء الأول، اتخذ «البورتريه» وسيلة للغوص في حياة الشخصية، والعودة إلى طفولتها وبيئتها العائلية والمدرسية، ثم متابعة الطريق الذي قادها إلى عالم الأدب أو الصحافة أو الفن أو الفكر. وقد أشار الدكتور إبراهيم خليل العلاف إلى هذه الخصوصية في منهج الكاتب، مبينًا أنه يعود إلى طفولة الشخصيات ومراحل تكوينها الثقافي والفني، ويتتبع منابع الإبداع وحكايات التكوين والإنجاز.
وهنا تتحول السيرة من معلومات إلى حكاية إنسانية. كيف نشأ الشاعر؟ ومن أين جاءت علاقة الفنان بالفن؟ وما البيئة التي صنعت الكاتب؟ ومن الأشخاص الذين تركوا أثرًا في حياته؟ وما الكتب الأولى التي قرأها؟ وكيف كانت المدينة التي نشأ فيها؟ وما الأحداث التي ساهمت في تشكيل وعيه؟
هذه التفاصيل تمنح البورتريه بعدًا يتجاوز السيرة التقليدية، وتجعل الشخصية جزءًا من زمنها وبيئتها، لا مجرد اسم في سجل ثقافي.
ولهذا فإن «بورتريه لذاكرة بيضاء» لا يُقرأ بوصفه كتابًا عن الأدباء والفنانين والصحفيين فقط، وإنما بوصفه كتابًا عن العراق نفسه؛ العراق الذي يظهر من خلال حكايات أبنائه. فالمدينة والشارع والمدرسة والمقهى والمسرح والصحيفة والبيت القديم تتحول جميعًا إلى عناصر ساهمت في صناعة الشخصية العراقية. وتتضح قيمة المشروع أكثر في تراكم أجزائه. فقد ضمت الأجزاء السابقة عشرات الشخصيات من أجيال واتجاهات مختلفة، وصولًا إلى الجزء الرابع الذي يضم أسماء مهمة، من بينها الفيلسوف الكردي مسعود محمد، والروائي أمجد توفيق، والشاعر كريم العراقي، والشاعر حميد سعيد، والدكتور علي الربيعي، والناقد صباح محسن كاظم، والأديبة والروائية سناء النقاش، وناطق خلوصي، وغيرهم. وهذا التنوع لا يمنح الكتاب ثراءً في الأسماء فقط، وإنما يرسم خريطة متعددة الألوان للثقافة العراقية، تتجاور فيها تجارب الشعر والرواية والنقد والفلسفة والصحافة، وتلتقي فيها أجيال مختلفة تركت أثرها في الحياة الثقافية.
وتبرز هنا أهمية قحطان جاسم جواد نفسه؛ فهو لا يكتب عن الوسط الثقافي من مسافة بعيدة، بل هو صحفي عاش عقودًا قريبة من الصحافة والثقافة والفن. ولد في بغداد عام 1951، وتخرج في قسم العلوم السياسية بجامعة بغداد، وانضم إلى نقابة الصحفيين العراقيين عام 1982، وعمل في عدد من المؤسسات الصحفية، واهتم بالصحافة الفنية والثقافية، وكتب عن السينما والمسرح والغناء والفنون التشكيلية، وله مؤلفات تناولت شخصيات وتجارب فنية عراقية، منها «عفيفة إسكندر ملكة الغناء العراقي» و«عزيز علي رائد فن المونولوج في العراق»، إضافة إلى «استذكارات فنية».
وهذا القرب من الوسط الذي يوثقه يمنح تجربته ميزة مهمة؛ فهو لا يستند إلى المعلومات وحدها، وإنما إلى ذاكرة صحفي عرف عددًا من شخوصه، وعاش تحولات المشهد الثقافي، وشهد أجيالًا من الأدباء والفنانين والصحفيين وهي تصعد إلى المشهد ثم يغيب بعضها بفعل الزمن.
كما أن البورتريه عنده لا يسعى إلى تحويل الشخصيات إلى نماذج مثالية، بل يفسح مجالًا للتفاصيل الصغيرة: الطفولة، العائلة، الصداقات، الأحلام الأولى، البدايات المتواضعة، التجارب الصعبة، واللحظة التي اكتشف فيها الإنسان موهبته. ومن خلال هذه التفاصيل تصبح الشخصية تجربة إنسانية قابلة للقراءة، لا مجرد اسم في موسوعة.
ومن هنا يمكن فهم عنوان الكتاب: «بورتريه لذاكرة بيضاء». فالبياض قد يكون الصفحة التي لم تُكتب بعد، أو الذاكرة التي تحتاج إلى من يملأ فراغاتها، أو المساحة التي يحاول الكاتب أن ينقذ فيها وجوهًا من غياب الزمن.
والمشروع لا يبدو مغلقًا عند أجزائه الأربعة، بل يتخذ شكل مشروع ذاكرة مفتوح، تتضاعف قيمته كلما مر الزمن. فما قد يبدو اليوم حكاية شخصية ثقافية، يمكن أن يتحول غدًا إلى وثيقة يحتاج إليها الباحث لمعرفة حياة أحد المبدعين ومرحلة تكوينه والبيئة التي صنعت تجربته.
إن أهمية «بورتريه لذاكرة بيضاء» تكمن في أنه لا يوثق الأشخاص فقط، بل يوثق زمنًا كاملًا؛ زمن العراق الثقافي والاجتماعي، بما فيه من مدن وصحف ومقاهٍ ومسارح وبيوت ومدارس وصداقات وتجارب.
إن الثقافة لا تُصنع بالكتب وحدها، بل بالبشر الذين كتبوا تلك الكتب، وبالأمكنة التي عاشوا فيها، وبالأسر التي رافقت طفولتهم، وبالأساتذة والأصدقاء والمؤسسات التي ساهمت في تشكيلهم.
ومن هنا يصبح الكتاب شهادة على أن وراء كل اسم ثقافي عراقي حكاية تستحق أن تُروى، وأن ما لا تحفظه الذاكرة المكتوبة قد يضيع مرتين: مرة حين يغيب أصحابه، ومرة حين لا يجد القادمون من يدلهم عليهم.
ولهذا يمكن النظر إلى «بورتريه لذاكرة بيضاء» بوصفه مشروعًا يتجاوز الكتاب إلى فعل حفظ الذاكرة؛ مشروعًا يترك للأجيال القادمة وجوهًا وحكايات وتجارب ربما كان يمكن للزمن أن يمحوها.
فحين تتحول الذاكرة إلى كتاب، تتحول الحكاية الشخصية إلى جزء من تاريخ الوطن.


تابعنا على
تصميم وتطوير