رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
صالح مهدي علي.. فنان تشكيلي شق طريقه الفني بعيداً عن المؤسسات الأكاديمية


المشاهدات 1082
تاريخ الإضافة 2026/09/27 - 8:05 PM
آخر تحديث 2026/09/30 - 1:53 AM

ثمة فنانون تبدأ علاقتهم بالرسم من قاعات المعاهد والأكاديميات، وثمة فنانون آخرون تبدأ حكايتهم من الشارع ومن ورقة مدرسية ومن قطعة جص أو قلم فحم عابر. وبين هؤلاء يأتي الفنان التشكيلي صالح مهدي علي الذي شق طريقه الفني بعيداً عن المؤسسات الأكاديمية ثم استطاع أن يصنع لنفسه أسلوباً خاصاً ارتبط اسمه به حتى صار يعرف بين الرسامين بلقب صالح سكين. لم تكن تجربته رحلة سهلة فقد اصطدمت بداياته برفض القبول في معهد الفنون الجميلة لأسباب لم تكن فنية بحسب روايته غير أن ذلك لم يمنعه من مواصلة البحث عن لغته الخاصة. وفي مطلع سبعينيات القرن الماضي وجد في الرسم بالسكين وسيلة للتعبير عن البيئة العراقية بما تحمله من أسواق وأهوار وريف وبادية ومشاهد بغدادية.
في هذا الحوار يتحدث صالح مهدي علي عن طفولته الأولى مع الرسم وعن علاقته بالواقعية والذاكرة الشعبية وعن تجربته في الرسم بالسكين وعن ظروف الفنان العراقي ومشكلة المواد الفنية وعن المعارض والتعليم ونقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة.
البدايات الأولى حين كان الرسم حاجة لا هواية
* متى بدأت علاقتك بالرسم وكيف اكتشفت أنك تميل إلى هذا الفن؟ 
 ــ دائماً كنت أندفع إلى الرسم كلما توفرت أمامي الأدوات. كنت أستفيد من أي شيء يمكن أن يتحول إلى وسيلة للرسم. فقد كنت أستخدم قطعة جص للرسم على الشارع أو أقلام الفحم الموجودة داخل البطاريات. وبعد دخولي المدرسة أصبحت أستخدم الدفاتر المدرسية للرسم وكنت أرسم على الأوراق الخلفية للدفتر. وأتذكر أنني في الصف الثاني الابتدائي انشغلت ذات مرة برسم المعلم أثناء الدرس وكاد أن يعاقبني بسبب ذلك. وبصورة عامة لم يكن يمر يوم تقريباً من دون أن أرسم بعض الأشكال سواء في البيت أو المدرسة.
* هل وجدت في طفولتك من يشجعك على الاستمرار؟ 
ــ في بداياتي كنت أرسم صور المشاهير المعروفين في ذلك الوقت ولم أتلق دعماً حقيقياً من أي جهة سواء من العائلة أو غيرها. كان أقصى ما أحصل عليه هو اندهاش أقراني بما أرسمه وهذا كان كافياً لأن يجعلني أواصل.
من قلم الرصاص إلى اللون الزيتي *  متى انتقلت من الرسم بالقلم إلى الألوان الزيتية؟ 
ــ في المرحلة الثانوية بدأت الرسم بالألوان الزيتية بعدما أصبحت متوافرة في مرسم المدرسة، وكان هناك مدرس للرسم شجعني كثيراً وكان خريج روما في إيطاليا وكانت تلك أول سنة له في التدريس في ثانويتنا. وقبل تلك المرحلة لم أكن أعرف سوى قلم الرصاص والورق. ثم أقمت معرضاً في المدرسة عرضت فيه لوحة كان موضوعها عن فلسطين. ومنذ ذلك الوقت لم أفارق الألوان الزيتية.
*  هل كان دخولك إلى معهد الفنون الجميلة محطة مهمة في حياتك؟ 
ــ حاولت التقديم إلى معهد الفنون الجميلة وكان موضوع الاختبار عبارة عن آنية موضوعة فوق قطعة قماش على طاولة وكان المطلوب رسمها بالقلم الرصاص. كنت متمكناً من موضوع الرسم بينما كان كثير من المتقدمين لا علاقة لهم بالرسم أصلاً وإنما تقدموا إلى المعهد بسبب معدلاتهم الدراسية المتدنية. وبعد الاختبار جاءت المقابلة مع اللجنة وكانت أسئلتهم سياسية أكثر مما كانت فنية. وعندما ظهرت أسماء المقبولين لم أجد اسمي بينها.
ذهبت إلى الاتحاد الوطني لأعرف سبب عدم قبولي فقال لي رئيس الاتحاد بالحرف الواحد: هل أنت منتم إلى الحزب؟ فأجبته بالنفي فقال لي: لا تتعب نفسك.
كان ذلك الموقف مؤثراً في حياتي الفنية وجعلني أبتعد عن المدارس الفنية العراقية وأبحث عن أسلوبي الخاص. ولهذا السبب عملت مع بعض الرسامين والخطاطين وأصحاب المحلات لفترة طويلة وما زلت أعمل بهذه الطريقة إلى اليوم.
حين يصبح الابتعاد عن المدرسة طريقاً إلى التفرد
* هل تعتقد أن عدم دخولك إلى المؤسسة الأكاديمية أثر في تجربتك؟ 
ــ أظن أن عدم تأثري بالمدارس الفنية أفادني في إيجاد أسلوب متفرد. فالطلاب في الفنون التشكيلية كانوا في أحيان كثيرة يقلدون أساتذتهم وكان الجميع يريد أن يكون فائق حسن. لكن لا يمكن أن يكون الجميع فائق حسن ولا يمكن للفنان أن يكون نسخة من فنان آخر. لذلك أعتقد أن ابتعاد الإنسان عن التقليد قد يساعده أحياناً في اكتشاف شخصيته الفنية.
*  كيف ولدت تجربتك مع الرسم بالسكين؟ 
ــ في بداية السبعينيات كنت أعمل في كاليري بابل في شارع السعدون وكان الكاليري يعمل أيضاً في تأطير اللوحات. وفي إحدى المرات جاء أحد الأشخاص بلوحة أجنبية تمثل الريف الإنكليزي وكانت مرسومة بالسكين. أثارت هذه اللوحة اهتمامي وفكرت أن أجرب الرسم بالسكين ولكن على موضوعات تمثل البيئة العراقية. وكانت تجربتي الأولى ناجحة من أول لوحة.. بعد ذلك بدأت أرسم الموضوعات البغدادية والأهوار والأسواق والبادية. وكان الكاليري يرتاده الأجانب فكانوا يشترون لوحاتي بمجرد عرضها. وهكذا بدأت أتفرد بهذا الأسلوب. صالح سكين وأسلوب الرسم والنحت
*  ماذا يمنحك الرسم بالسكين ولا تمنحك إياه الفرشاة؟ 
ــ الرسم بالسكين يختصر وقت العمل لأنه يعطيك المطلوب مباشرة من كثافة اللون وقوته وملمسه. وهو أسلوب صعب لأنك تتعامل مع أداة قاسية وغير مرنة مثل الفرشاة الطيعة. وكل ضربة سكين يجب أن تكون في مكانها الصحيح ولا يمكن التعامل معها بعشوائية. وقد حاول بعض كبار الرسامين العمل بهذا الأسلوب ولم يتمكنوا من الاستمرار فيه. ولهذا أصبح لقبي بين الرسامين صالح سكين.
* هل ترى أن الرسم بالسكين أقرب إلى النحت منه إلى الرسم؟ 
ــ نعم. العمل بالسكين يجمع بين الرسم والنحت تقريباً وهذا يمنح الشكل قيمة استثنائية. وعندما أحاول رسم لوحة تتشكل اللوحة وألوانها في ذهني بكل تفاصيلها ثم أقوم بتنفيذها مباشرة. وهذا الأمر يغنيني عن كثرة التجريب وعن المحاولات التي قد لا تصل إلى النتيجة المطلوبة.
البيئة العراقية ذاكرة اللون وذاكرة المكان
* لماذا حضرت البيئة العراقية بقوة في أعمالك؟ 
ــ البيئة كانت تمثل أغلب أعمالي بسبب المعايشة اليومية وبسبب خزين الذاكرة والمشاهد التي عشتها وتأثرت بها. فالإنسان لا يرسم دائماً ما يراه بعينه فقط وإنما يرسم أيضاً ما يبقى في ذاكرته. وقد كانت البيئة العراقية بالنسبة لي عالماً واسعاً مليئاً بالتفاصيل التي يمكن أن تتحول إلى لوحات.
*  متى شعرت أن أعمالك أصبحت تحمل قيمة فنية حقيقية؟ 
ــ عرفت أن لأعمالي قيمة من كثرة الطلب عليها من داخل العراق وخارجه. وكان السبب في ذلك هو تفرد أسلوبي الذي كان نادراً تقريباً على المستوى المحلي والعالمي. وكانت أعمالي تعرض في فندق الرشيد المعروف باستقبال الأجانب والدبلوماسيين. وفي إحدى المرات أرسلت المستشارة الإعلامية للسفارة الأمريكية في بغداد في طلبي ولكنني لم أهتم بالموضوع.
* هل ترى أن الواقعية ما زالت قادرة على صناعة عالم فني واسع؟ 
 ــ بالتأكيد، الواقعية والفطرة والذاكرة الشعبية تستطيع أن تخلق عالماً كافياً لأي منجز فني. وهي عوالم واسعة لا يمكن الإحاطة بها كلها.
 الواقعية والجمال في اللوحة
* ما موقع الواقعية في رؤيتك الفنية؟ 
ــ الواقعية هي أساس الفن التشكيلي، ولذلك أرى أن طالب المعاهد والأكاديميات ينبغي أن يدرس الواقعية. كما أن الجمالية مطلوبة في اللوحة لأنها في النهاية من الفنون الجميلة. وأنا لا أحبذ التشويه أو القبح الذي قد يظهر في بعض اتجاهات الفن الحديث.
*  هل تشعر أنك وصلت إلى مرحلة الكمال الفني؟ 
ــ الفنان التشكيلي لا يصل إلى مرحلة يقول فيها إنه بلغ الكمال لأن عينه وخياله يتطوران باستمرار. فعندما أرى لوحة قديمة لي أجد فيها أحياناً ما أراه رديئاً وهذا يعني أنني تطورت عن السابق. وبصورة عامة أشعر دائماً عندما أرسم لوحة أنني لم أعطها الجهد والوقت الكافيين. وحتى عندما تبقى اللوحة أمام ناظري أظل أضيف إليها بعض اللمسات.. والعمل الفني يرتبط بالمزاج أيضاً ولذلك قد أنقطع عن الرسم فترات طويلة خصوصاً في هذه الأيام.
اللوحة تبدأ في الخيال قبل أن تولد على القماش
* كيف تبدأ اللوحة عندك؟ 
ــ الفكرة تأتي أولاً ثم يأتي الموضوع. وعندما يكتملان أتخيل اللوحة وكأنها أصبحت جاهزة أمامي بألوانها وتفاصيلها. وبعد ذلك لا يبقى أمامي إلا التنفيذ.
*  وهل تترك مساحة للمصادفة أثناء العمل؟ 
ــ عندما تكون اللوحة قد اكتملت في ذهني قبل تنفيذها فإنني أعرف إلى حد كبير أين أضع اللون وكيف أبني الشكل. ولهذا لا أحتاج إلى كثرة التجارب والمحاولات الفاشلة. الفكرة الواضحة في ذهني تختصر الكثير من الوقت.
الفنان خارج المؤسسة الفنية
* لماذا كانت مشاركاتك في المعارض قليلة؟ 
ــ مشاركاتي في المعارض تكاد تكون معدومة لأنني بعيد عن الوسط الفني وأشعر أنني غريب عنه. وكان معرض الواقعية أولى مشاركاتي الفعلية، وكانت اللوحة الوحيدة التي شاركت بها ليست ملكي وإنما كانت لأحد زبائني.
* هل كان ابتعادك عن الوسط الفني قراراً منك أم نتيجة ظروف؟  ــ عدم معرفتي بأغلب الفنانين كان حاجزاً أمام مشاركاتي وأنا أصلاً لا أميل إلى الإعلام. كما أن هناك تكتلات لفنانين معينين لهم حظوة وتلعب العلاقات الشخصية دوراً في هذا الموضوع.
المادة الفنية بين ارتفاع الكلفة وقيمة اللوحة
* ما أبرز المشكلات التي واجهتك في تنفيذ أعمالك؟ 
ــ لوحاتي تتغير ألوانها مع مرور الزمن وتتأكسد فتضيع بعض اللمسات والألوان الثانوية بسبب رداءة المواد. في السابق كنا نشتري القماش المحضر محلياً والألوان الرخيصة. والعمل بالسكين يستهلك كمية كبيرة من الألوان الزيتية ولأنني لم أكن أتمكن من شراء المواد الجيدة بسبب ارتفاع كلفتها التي قد تكون أكثر من سعر اللوحة نفسها فقد استمريت في التعامل مع الألوان الرخيصة حتى الآن.
*  هل يؤثر طلب الجمهور في الفنان   وفي اختياراته؟ 
ــ بالتأكيد يمكن أن يكون الفنان مقيداً بسبب الطلب. وأحياناً يطلب مني الزبون تكرار لوحة معينة أكثر من مرة. والمشكلة أنني لم أمتلك لوحة لنفسي حتى الآن وبيتي لا توجد فيه أي لوحة من أعمالي لأنني أسارع إلى بيعها. فهي مصدر دخلي الوحيد.. وفي الفترة الأخيرة أصبحت لا أرسم إلا عندما تنتهي مداخيل الأسرة لأنني مسؤول عن عائلة كبيرة. ومع ذلك فإن الطلب على لوحاتي ما زال كبيراً ومن أكثر من جهة. الخبرة مسؤولية الفنان تجاه الأجيال
* هل ما زلت تمارس دوراً في نقل خبرتك إلى الفنانين الشباب؟ 
ــ قبل فترة ذهبت مع أحد أصدقائي إلى مكان يلتقي فيه طلاب الرسم في البصرة، وكانوا يقومون بصورة دورية برسم الموديل. شاركت معهم في رسم أكثر من موديل وكان الطلاب يتجمعون حولي. 
وبعد أن أنهيت الرسم كنت أتفقد أعمالهم وأقدم لهم بعض النصائح التي يمكن أن تغنيهم عن التجربة لفترة طويلة وتختصر عليهم الزمن. وقد شعرت أنهم يفتقرون إلى بعض هذه الخبرة من مدرسيهم..ومن هنا أدركت أن من المعيب أن يموت الفنان مع خبرته. فالخبرة التي جمعها الإنسان طوال حياته ينبغي أن يسلمها إلى الأجيال المقبلة حتى لا تذهب هباءً. وربما تكون هذه المسؤولية من أهم ما يمكن أن يقدمه الفنان بعد سنوات طويلة من العمل والتجربة.
الختام
تبدو تجربة صالح مهدي علي أشبه بمسار فني اختار أن يصنع أدواته بعيداً عن الطرق المألوفة. فمنذ تلك الطفولة التي كان فيها يحول قطعة الجص وأقلام الفحم ودفاتر المدرسة إلى فضاء للرسم مروراً بتجربة اللون الزيتي ثم اكتشاف السكين في مطلع السبعينيات وصولاً إلى تكريس البيئة العراقية موضوعاً دائماً لأعماله ظل الفنان يبحث عن لغة لا تشبه سواه.


تابعنا على
تصميم وتطوير