رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
عاشق السيارات


المشاهدات 1098
تاريخ الإضافة 2026/09/27 - 8:03 PM
آخر تحديث 2026/09/28 - 12:53 AM

يحدث في بعض الأحيان، وبالمصادفة وحدها، أن أكون مع الصديق المبدع محمد خليل التميمي وهو يُعد لبرنامجه التلفزيوني الناجح « قصص عراقية»، الذي امتلك حضوراً لدى شريحة واسعة من المشاهدين تزداد يوماً بعد آخر، بفضل مثابرته وجهده وعشقه لعمله، وقدرته على البحث عن شخصيات عراقية لها قصص تستحق أن تُروى بعيداً عن صخب الأضواء وضجيج الشهرة.
قبل أيام كنت معه وهو يلتقي وليد الجراح في مسكنه، حيث تعرفت على مبدع كبير وأكاديمي ومخترع لم تُسلَّط عليه الأضواء كثيراً، على الرغم من سيرة علمية وعملية حافلة امتدت عقوداً في التعليم التقني والتأليف والاختراع، وفي تخصص ارتبط به منذ سنوات شبابه، هو السيارات، ليس بوصفها وسيلة نقل فحسب، بل عالماً متكاملاً من الهندسة والتاريخ والتكنولوجيا. بدأ الجراح طريقه بدبلوم فني من هيئة المعاهد الفنية، ثم واصل دراسته حتى نال الدبلوم من جامعة هلسنكي، والبكالوريوس من جامعة نورث كارولاينا، فضلاً عن شهادة طيران خصوصي، ثم الماجستير من جامعة بغداد، وعمل أستاذاً لمواد صيانة السيارات ومنظوماتها وأبدانها في مؤسسات التعليم التقني. ولم تتوقف علاقته بالسيارة عند التدريس والاختراع، بل انتقلت إلى التأليف، ومن بين مؤلفاته كتاب « تاريخ صناعة السيارات» الذي صدر باللغتين العربية والانكليزية، وهو الكتاب الذي أهداني نسخة منه في ذلك اللقاء. وعلى الرغم من عنوانه الذي قد يوحي لأول وهلة بأنه كتاب تقني متخصص، فإنه يأخذ القارئ في رحلة ممتعة عبر تاريخ طويل يبدأ من العجلة والمركبات الأولى، ثم المحركات البخارية ومحركات الاحتراق الداخلي، وصولاً إلى المراحل التي أصبحت فيها السيارة جزءاً أساسياً من الحياة الحديثة. 
من يتصفح الكتاب يكتشف أنه لا يكتب تاريخ المحرك وحده، بل تاريخ فكرة السيارة وتحولاتها، فيتوقف عند « العربة أصل السيارة»، و»رواد ما قبل البترول»، و»أيام سبقت اختراع السيارات»، ثم محرك الاحتراق الداخلي، وسيارات المرحلة 1900–1918، وفترة الطرازات العتيقة، وأزياء عالم السيارات، والسيارات في المعركة، وتطور بناء أبدانها، فضلاً عن تجارب فرنسا وألمانيا وأستراليا واليابان، ونماذج من تاريخ السيارات في أوروبا والعالم العربي. ولعل أجمل ما في الكتاب أنه يذكرنا بأن الأشياء التي نستخدمها كل يوم ونحسبها من بديهيات حياتنا، تختزن وراءها تاريخاً طويلاً من المحاولات والإخفاقات والمغامرات والاختراعات، فالسيارة التي ندير مفتاحها أو نضغط زر تشغيلها اليوم في ثوانٍ، تقف خلفها حكاية إنسانية بدأت بحلم بسيط، ومما يزيد الكتاب متعة وغنى احتواؤه على عشرات الصور التي توثق أشكال العربات والسيارات في مختلف الحقب التاريخية، منذ نماذجها الأولى والبسيطة حتى تطورها إلى السيارات الحديثة. 
خرجتُ من لقاء الجراح وأنا أفكر في أن العراق ما زال يختزن كثيراً من العلماء والمبدعين والمخترعين الذين عاشوا بيننا بهدوء، وقدّموا الكثير من دون أن تنالهم الأضواء بما يستحقون، ولعل فضيلة برنامج مثل « قصص عراقية» الذي تبثه قناة العراقية، أنه يفتح نافذة على هؤلاء، ويقول لنا في كل مرة، إن وراء الأبواب التي نعبرها كل يوم قصصاً كبيرة، لا ينقصها الإبداع، بل ينقصها فقط مَن يرويها.


تابعنا على
تصميم وتطوير