
في الذكرى الثانية لاستشهاد السيد حسن نصر الله، يعود هذا التحقيق إلى الجذور: إلى رجل دين وصل إلى صُور قبل أكثر من ستين عاماً، فبنى مدرسة قبل أن يحمل بندقية، ووعظ في كنيسة قبل أن يؤسّس تنظيماً مسلحاً. ما الذي بقي من الإمام السيد موسى الصدر في حزب الله؟ وما الذي تغيّر؟
مساء السابع والعشرين من أيلول 2024، دوّت سلسلة انفجارات في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت، وانهارت أبنية سكنية فوق مقرّ تحت الأرض. بعد ساعات أُعلن ما بدا لكثيرين مستحيلاً: استُشهد السيد حسن نصر الله، الذي قاد حزب الله اثنين وثلاثين عاماً.
في الأيام التالية امتلأت شاشات اللبنانيين بصور الشهيد. وعادت أغنية «أحبائي» للفنانة المسيحية جوليا بطرس، المستوحاة من رسالته إلى المقاتلين في حرب تموز 2006، لتنتشر على نطاق واسع. وبين الصور المتداولة ظهرت صورة أقدم بالأبيض والأسود لرجل طويل القامة بعمامة سوداء. إنه الإمام السيد موسى الصدر، الذي طالما وصفه السيد نصر الله بـ«إمام المقاومة» ومؤسسها.
بعد عامين، يطرح هذا التحقيق سؤالاً يتجاوز لحظة الرثاء: هل كان الشهيد السيد حسن نصر الله حقاً وريث السيد موسى الصدر؟
للإجابة، عدنا إلى ملف خصّصته مجلة «به گواهی اسناد» الإيرانية لهذه العلاقة، بعنوان «وجهان وفكر واحد». يضمّ الملف أربع دراسات لباحثين إيرانيين، وحواراً مع ممثل حركة أمل في طهران. وقرأنا هذه المواد بعين تبحث عمّا تقوله، وعمّا تسكت عنه.
الفصل الأول: رجل وصل إلى جنوب منسيّ
عام 1959 وصل إلى صور رجل دين شاب قادم من قم والنجف، يحمل توصية من المرجع الراحل السيد عبد الحسين شرف الدين. كان اسمه السيد موسى الصدر، وجذور عائلته تمتد إلى جبل عامل نفسه.
ما وجده هناك يصفه صلاح فحص، ممثل حركة أمل في طهران، في حواره مع المجلة، بصورة قاتمة. لم يكن شيعة الجنوب يشغلون أي منصب يُذكر في الدولة، وأفضل ما يُعرض عليهم وظيفة حارس أو عامل في المرفأ. أما الدولة فكانت منشغلة بجبل لبنان وبيروت، وتدير ظهرها للأطراف من الجنوب إلى البقاع والهرمل.
في الوقت نفسه، كان ابن عمّه وصهره السيد محمد باقر الصدر يضع في العراق أسس حزب الدعوة. وهنا يرصد الباحث محمد رضا أبو الحسني افتراقاً مبكراً سيترك أثره لعقود. في العراق بدأ المشروع ببناء نخبة مثقفة، تمهيداً لمرحلة سياسية غايتها الحكومة الإسلامية. أما في لبنان، فقد رأى السيد موسى الصدر أن الحديث عن النهضة الفكرية لمن لا يجد قوت يومه ترفٌ لا معنى له، فبدأ من الخبز والمدرسة والمستوصف.
الفصل الثاني: «المدرسة خندق»
في حواره، يقدّم فحص مفهوماً يراه مفتاح فكر الإمام الصدر: «المجتمع المقاوم». فالمقاومة عند الإمام، كما يرويها، لم تكن بندقية فقط، بل ثلاثة محاور متلازمة: عسكري واجتماعي وثقافي. حين يفتقر الناس إلى المدارس، تبدأ المقاومة ببناء مدرسة. وحين يُهمَّش أبناء الجنوب، تبدأ المقاومة برفع مستواهم العلمي.
والمنطق عند فحص واضح: السلاح وحده لا يُبقي الناس في أرضهم، وإذا هجروها لم يبقَ من يقاوم. ولذلك يعدّد ثمار هذه الرؤية بعد أربعة عقود: أكثر من خمسمئة مدرسة بُنيت في الجنوب، ومستشفيات وطرق وشبكات مياه وكهرباء، وجيل صار في كل بيت منه تقريباً مهندس وطبيب ومحامٍ.
غير أن الإمام الصدر لم يكتفِ ببناء المدارس للناس، بل أراد جيلاً جديداً من رجال الدين. يروي الباحث حميد قزويني في دراسته قصة «معهد الدراسات الإسلامية» الذي أسّسه السيد موسى الصدر في صور.
امتدّ منهجه ستة عشر عاماً، وأضاف إلى الفقه والأصول دروساً في اللغات الأجنبية والعلوم التجريبية والتاريخ وكتابة المقالة. وفتح المعهد أبوابه لطلاب من غير الشيعة، وخطّط لدراسات مقارنة بين الأديان. لكن الحرب الأهلية ثم تغييب مؤسسه أوقفا التجربة في منتصفها.
الفصل الثالث: من صور إلى النجف… جسر آل الصدر
في دراسة قزويني تفصيل قد يغيّر طريقة قراءة تاريخ حزب الله كله. فالطلاب اللبنانيون الذين كانوا يكملون دراستهم في النجف، كان السيد موسى الصدر يوجّههم بنفسه إلى حلقة ابن عمّه السيد محمد باقر الصدر. وكان الرجلان رفيقَي درس في حوزة النجف، ويجمعهما همّ التجديد في الفقه والأصول والفلسفة والتفسير.واستمرّت العلاقة بينهما رغم ضغوط النظام البعثي في العراق، عبر رسائل يحملها أشخاص موثوقون. بل كان السيد محمد باقر الصدر يقضي صيفه في لبنان، قبل أن تُفرض عليه القيود، في بلدة جبع، مسقط رأس الشهيد الثاني في إقليم التفاح. وهناك كان يخصّص ساعات لمحاورة المهتمين، ويحضر السيد موسى الصدر بعض هذه اللقاءات.
عبر هذا الجسر مرّ رجلان سيقودان حزب الله لاحقاً:
- الشهيد السيد عباس الموسوي: كان طالباً في معهد صور، ثم ذهب إلى النجف بتوصية من الإمام الصدر، وسيصبح لاحقاً أميناً عاماً لحزب الله.
- الشهيد السيد حسن نصر الله: كان شاباً نحيلاً من ضواحي بيروت الشرقية، تتلمذ على السيد محمد الغروي، خليفة الإمام الصدر في إمامة الجمعة في صور، الذي عرّفه بدوره على السيد محمد باقر الصدر.
المفارقة أن المدرسة التي سيخرج منها حزب الله، مدرسة «الإسلام الحركي» النجفية، كانت على خلاف فكري مع النهج الإصلاحي للسيد موسى الصدر. ويوثّق أبو الحسني أن عالمين كبيرين من أبنائها، هما السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين، عارضا في البداية تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وأخذا على الإمام الصدر ضعف الحسّ العقائدي في حركته.
هكذا تقاسم ابنا العم الدور من دون أن يخطّطا له. السيد موسى الصدر في صور يصنع المجتمع ويختار الطلاب ويوجّههم، والسيد محمد باقر الصدر في النجف يصوغ فكرهم ويبني وعيهم الحركي. ومن بين الجسرين خرج التلميذ الذي سيقود المقاومة اثنين وثلاثين عاماً.
الفصل الرابع: عمامة في كنيسة
إن كان في سيرة الإمام الصدر مشهد يختصر مشروعه، فهو ذلك اليوم من منتصف السبعينيات حين وقف السيد موسى الصدر على منبر كنيسة الكبوشيين في بيروت، وألقى موعظة الصوم على المؤمنين المسيحيين.
تستعيد الدراسة الخامسة في الملف، وعنوانها «الروح القدس عند بوابة القدس»، هذا المشهد وما سبقه وما تلاه. فقبل ذلك بعشر سنوات، عام 1965، نظّم الإمام الصدر مؤتمراً للحوار الإسلامي المسيحي، شارك فيه المطران جورج خضر والأب يواكيم مبارك وحسن صعب وصبحي الصالح. ودعا بيانه الختامي إلى إنشاء معهد للدراسات المقارنة بين الأديان.
وتسرد الدراسة تفاصيل يومية من حياة السيد موسى الصدر:
- في المناسبات: كان يزور المسيحيين في أعيادهم، ويحضر أفراحهم ومآتمهم.
- في مواجهة المقاطعة: اشترى من محل بوظة مسيحي في صور قاطعه بعض الناس بحجة «نجاسة» صاحبه، فعاد الزبائن إلى المحل.
- في المقرّ والسكن: اختار لمقرّ المجلس الشيعي ولسكنه منطقة الحازمية ذات الغالبية المسيحية.
- في الصداقات: كان من أقرب أصدقائه الطبيب المسيحي شكر الله حداد، الملقّب بـ«طبيب المحرومين»، الذي دعاه الإمام ليخطب في مجالس عاشوراء.
وفي حوار مع مجلة «مونداي مورنينغ» صيف 1977، قبل عام من تغييبه، شرح الإمام الصدر بنفسه معنى ما يفعل. فإسرائيل في نظره تقوم على فكرة أن الأديان لا تستطيع العيش معاً، وكل نجاح للعيش المشترك في لبنان هو ردّ عملي عليها. واعترف في الحوار ذاته بأن هذا الدور جعله هدفاً لحملات تشويه سعت إلى اغتياله معنوياً.
الفصل الخامس: من البندقية الأولى إلى التغييب
لكن لبنان السبعينيات لم يكن مكاناً للمواعظ وحدها. فالفصائل الفلسطينية انتقلت من الأردن إلى الجنوب، وانضم إليها شباب شيعة مصدومون بهزيمة 1967. ثم جاءت الردود الإسرائيلية على القرى الشيعية. فوجد السيد موسى الصدر نفسه، كما يصف أبو الحسني، بين نيران ثلاث: جمهوره الغاضب، والدولة، والأحزاب المسيحية.
من رحم هذا المأزق وُلدت حركة «أمل» تنظيماً مسلحاً سرّياً. ولم يعرف اللبنانيون بوجودها إلا حين انفجر لغم في معسكر تدريب في عين البنيّة، وسقط عشرات الشهداء من شبابها. يومها أعلن الإمام الصدر الحركة، وحدّد لها عدواً واحداً هو إسرائيل.
وفي صيف 1978 سافر السيد موسى الصدر إلى ليبيا، ولم يعد. ويرى أبو الحسني أن الإمام دفع ثمن استقلاله، فقد أسّس حركته بلا ظهير إقليمي، ورفض أن يكون وكيلاً لأحد. ثم غُيِّب قبل أشهر من انتصار الثورة في إيران، التي ستمنح ورثته ما حُرم هو منه.
الفصل السادس: ولادة حزب الله… وحساسية دمشق
بعد تغييب الإمام، حملت «أمل» الراية. ويؤكد صلاح فحص أن الحركة كانت العمود الفقري للمقاومة في سنواتها الأولى، وأن كثيراً من قادة حزب الله تخرّجوا من صفوفها.
ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ومن ركامه وُلد حزب الله. جمع الحزب كوادر من حزب الدعوة، ومنشقّين عن أمل، وشباباً من لجان العمل الإسلامي.
ولم يوحّدهم إرث السيد موسى الصدر ولا توجيه فضل الله وشمس الدين، بل الولاء لولاية الفقيه والإمام الخميني. ويستحضر أبو الحسني هنا وصية السيد محمد باقر الصدر لتلاميذه بأن يذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب هو في الإسلام.
ولم يكن الأمر بلا ثمن سياسي. فبحسب أبو الحسني، أثار انجذاب كوادر أمل نحو طهران استياء القيادة السورية، التي لم ترغب في أن ينازعها أحد على الورقة الشيعية في لبنان.
الفصل السابع: الشهيد نصر الله يعيد وصل ما انقطع
يرصد پیام طبیبي، رئيس تحرير المجلة، في دراسته الافتتاحية كيف أعاد الشهيد السيد حسن نصر الله وصل ما انقطع. فلم يترك مناسبة إلا وقدّم فيها الإمام السيد موسى الصدر مؤسساً للمقاومة، وقدّم نفسه ورفاقه تلاميذ له.
وتلاحظ الدراسة ما تسمّيه «الوجه الداخلي» لخطاب السيد نصر الله:
- أكّد أن سلاح المقاومة ليس طرفاً في الصراع الداخلي.
- دافع عن مؤسسات الحزب الاجتماعية بوصفها حقاً تكفله التعددية اللبنانية.
- دعا إلى حضور المرأة في مواقع المسؤولية.
- كشف أنه اقترح يوماً أن يبدأ تداول المواقع القيادية من منصبه هو، فرفض رفاقه.
أما أبو الحسني فيتتبّع محطات يرى فيها استيعاباً لدروس الإمام الصدر وتجربة أمل:
- عام 1985: رفض الحزب الانخراط في حرب المخيمات ضد الفلسطينيين.
- بعد حرب نيسان 1996: رفع العلم اللبناني وأنشد النشيد الوطني، وهي رموز كانت تُقرأ سابقاً بوصفها مارونية.
- بعد التحرير عام 2000: سلّم عناصر ميليشيا لحد إلى القضاء بدل الانتقام منهم.
- عام 2006: وقّع السيد نصر الله مع ميشال عون وثيقة التفاهم في كنيسة مار مخايل، في مشهد يكاد يستعيد وقفة السيد موسى الصدر في كنيسة الكبوشيين.
- عام 2009: حذف الحزب من وثيقته السياسية بند إقامة الحكومة الإسلامية، في خطوة أقرب إلى منطق السيد موسى الصدر منها إلى منطق ابن عمّه.ويحذّر صلاح فحص، من موقعه في أمل، من المقارنة المباشرة بين الرجلين.
فالشيعة في زمن الإمام الصدر لم يكونوا يملكون شيئاً، وفي زمن الشهيد نصر الله صاروا قوة لا تُقارن بما كانت عليه. لكنه يرى الطريق واحداً، وأن الشهيد نصر الله سار على ما أراده الإمام الصدر، خصوصاً في شأن المقاومة.
الفصل الثامن: ما لا تقوله الوثائق
تقدّم المواد الخمس صورة متماسكة: خطّ واحد يمتد من كنيسة الكبوشيين إلى كنيسة مار مخايل، ومن معهد صور إلى الضاحية. لكن هذه الصورة، عند التدقيق، تحتاج إلى تصحيحات عدة.
الحرب بين الوارثين: لا يأتي حوار ممثل أمل على ذكر الاقتتال الدامي بين أمل وحزب الله أواخر الثمانينيات، وهو صراع خاضه وارثان يدّعي كل منهما تمثيل الإمام الصدر. وتمرّ عليه الدراسات الأخرى بإشارات عابرة. إنها رواية تحالف اليوم، لا تاريخ الأمس.
المسيحيون ليسوا صوتاً واحداً: تحتفي دراسة «الروح القدس عند بوابة القدس» بشهادات ميشال عون وإميل لحود وسليمان فرنجية، لكنها تمرّ سريعاً على أن القوات اللبنانية والكتائب ظلّتا تعارضان سلاح الحزب علناً. ولا تتوقف عند تصدّع التفاهم مع التيار الوطني الحر بعد فتح جبهة الجنوب عام 2023، ولا عند عودة مطلب حصر السلاح بيد الدولة إلى الواجهة منذ انتخاب رئيس جديد للجمهورية عام 2025.
أرقام بلا توثيق: الأرقام التي يسوقها فحص عن نهضة الجنوب العمرانية والتعليمية تحتاج إلى توثيق مستقل. فضلاً عن أن جزءاً كبيراً من هذا العمران دُمّر في الحرب الأخيرة، وما زالت قرى حدودية كثيرة تنتظر إعادة الإعمار.
مصدر واحد: المواد كلها صادرة عن مجلة إيرانية واحدة، وتعتمد على أرشيف مؤسسة رسمية، وعلى شهادات الفاعلين وحلفائهم، لا على روايات خصومهم.
ويبقى سؤال لا تجيب عنه أي من هذه المواد: إذا كان حزب الله قد وُلد من مدرسة «الإسلام الحركي» ثم اقترب تدريجاً من براغماتية السيد موسى الصدر، فهل كان ذلك اقتناعاً بفكرة العيش المشترك؟ أم تكيّفاً فرضه بلد لا يسمح لأي طائفة بأن تحكمه وحدها؟
خاتمة: وصية لم تُنفَّذ بعد
بعد عامين على استشهاد السيد حسن نصر الله، يعيش لبنان مرحلة إعادة تشكّل. ا
لجنوب يحاول لملمة ركامه، والنقاش حول السلاح عاد إلى الطاولة، والطائفة الشيعية تبحث عن توازن جديد بين القوة التي راكمتها وكلفتها.في هذا المشهد، تبدو عبارات الإمام السيد موسى الصدر القديمة أكثر راهنية مما كانت يوم قالها. فقد رأى أن الفرقة الداخلية أخطر من إسرائيل نفسها، وأن المدرسة خندق لا يقل أهمية عن الموقع القتالي، وأن رجل الدين الذي يقف متفرّجاً على جوع الناس مقصّر في دينه.
ثلاث عمائم على طريق واحد: الإمام السيد موسى الصدر في صور زرع، والسيد محمد باقر الصدر في النجف سقى، والشهيد السيد حسن نصر الله حصد.
استُشهد السيد حسن نصر الله وهو يقدّم نفسه تلميذاً للإمام الصدر. أما السؤال الذي تتركه شهادته فليس عن الماضي، بل عن الغد: مَن سيحمل الوجه الآخر لذلك الإرث؟ الوجه الذي وعظ في كنيسة، وبنى مدرسة قبل أن يحمل بندقية.