
يدخل الأردن مرحلة جديدة في إدارة أزمته المائية مع انتهاء اتفاق شراء كميات إضافية من المياه من إسرائيل، وسط تحرك حكومي لبناء بدائل تقلل الاعتماد على أي ترتيبات خارجية. وبحسب مصدر رسمي فقد أعدت الحكومة خطة بديلة منذ العام الماضي تحسباً لانتهاء الاتفاق الذي كان يوفر للأردن نحو 50 مليون متر مكعب سنوياً، في خطوة تعكس انتقال ملف المياه تدريجياً من إدارة العجز إلى البحث عن قدر أكبر من الاستقلال المائي.
ولا يعني انتهاء الاتفاق أن الأردن فقد كل إمداداته المائية من إسرائيل. فوزارة المياه والري أكدت في يوليو أن المملكة تواصل الحصول على حصتها المائية المنصوص عليها في معاهدة وادي عربة الموقعة عام 1994، بينما تتعلق الخطة البديلة بكميات إضافية كانت تحصل عليها عمان بموجب ترتيبات شراء منفصلة. وتقول الوزارة إن إجراءات الطوارئ بدأت منذ العام الماضي لضمان استمرارية الإمدادات في مختلف السيناريوهات.
وتكشف هذه التفرقة طبيعة التحدي الذي يواجه الأردن. فالمشكلة لا تتعلق فقط بانتهاء اتفاق محدد مع دولة مجاورة، وإنما بعجز مائي مزمن يتطلب مصادر إضافية بصورة مستمرة. وتقول وزارة المياه إن خطط الطوارئ تشمل تأهيل الآبار القائمة وزيادة إنتاجيتها، وحفر وتجهيز آبار جديدة بالتعاون مع القطاع الخاص، والتوسع في استخدام المياه غير التقليدية، بما فيها الآبار المالحة، إلى جانب تشديد الإجراءات ضد الاعتداءات على مصادر وشبكات المياه.
لكن الرهان الأكبر يبدو مرتبطاً بـ«الناقل الوطني»، المشروع الذي تضعه الحكومة في قلب استراتيجية تقليص الفجوة المائية. وتعمل وزارة المياه على تأهيل ائتلافات الشركات لتنفيذ مشروع تحلية ونقل المياه من خليج العقبة إلى مختلف مناطق المملكة، بطاقة مستهدفة تتراوح بين 250 و300 مليون متر مكعب سنوياً. وتصف الوزارة المشروع بأنه خيار وطني لتوفير كميات مستدامة من مياه الشرب ومواجهة العجز خلال العقود المقبلة.
وتتجاوز أهمية المشروع حجمه المائي. فقد وصف وزير المياه والري رائد أبو السعود المشروع بأنه قضية «أمن وطني»، وربط بين تنفيذه وبين تعزيز الاستقلال المائي للمملكة. ويكشف هذا الخطاب عن تحول في النظرة الرسمية إلى المياه، التي لم تعد مجرد ملف بنية تحتية وخدمات، وإنما باتت مرتبطة مباشرة بقدرة الدولة على حماية أحد أكثر مواردها حساسية.
ويحاول الأردن في الوقت ذاته معالجة المشكلة من داخل المنظومة نفسها. فالوزارة تشير إلى أن فاقد المياه يصل إلى نحو 38%، فيما يفاقم استنزاف المياه الجوفية والاعتداءات على الشبكات الضغوط القائمة. وهذا يعني أن زيادة المعروض المائي ليست الحل الوحيد، إذ تحتاج المملكة أيضاً إلى تقليص الفاقد ورفع كفاءة التوزيع وحماية الموارد الموجودة قبل إضافة مصادر جديدة.
وفي هذا السياق، لا تقتصر خيارات الأردن على البحر الأحمر. فقد أعادت عمان ودمشق خلال العامين الماضيين فتح ملف التعاون في الموارد المائية المشتركة، خصوصاً حوض اليرموك. وأطلقت الدولتان في سبتمبر 2025 منصة مائية مشتركة لتعزيز تبادل المعلومات والتنسيق بشأن الموارد، فيما أبدت دمشق استعداداً لمعالجة ملف الآبار غير القانونية، وبحث إمكان الحفاظ على حصة الأردن في سد الوحدة وتوفير كميات إضافية خلال أشهر الصيف.
إلا أن البدائل نفسها ليست سهلة. فالناقل الوطني يحتاج إلى تمويل ضخم وبنية تحتية معقدة وطاقة لتحلية المياه وضخها لمسافات طويلة، بينما تبقى الآبار والمياه الجوفية موارد محدودة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مصدراً دائماً للتوسع. كما أن خفض الفاقد يتطلب استثمارات كبيرة ووقتاً قبل ظهور نتائجه الكاملة.
ومن هنا فإن انتهاء اتفاق شراء المياه من إسرائيل قد يتحول إلى اختبار لمدى قدرة الأردن على بناء مزيج مائي جديد. فالمملكة لا تبدأ من الصفر، بل تملك معاهدة مياه مستمرة، ومشاريع للآبار والمصادر غير التقليدية، وخطة استراتيجية للتحلية والنقل، ومساراً متجدداً للتعاون مع سوريا. لكن الفارق بين إدارة النقص وبناء الأمن المائي يكمن في قدرة هذه البدائل على توفير كميات مستقرة ومستدامة في بلد يواجه واحداً من أكثر الاختلالات المائية حدة في المنطقة.
وبذلك لا يصبح السؤال الأردني فقط: هل يستطيع الأردن الاستغناء عن المياه الإسرائيلية؟ بل يصبح أوسع: هل يستطيع تحويل انتهاء اتفاق الشراء إلى نقطة انطلاق لمنظومة مائية أقل تعرضاً للتقلبات السياسية والإقليمية؟ الإجابة ستتحدد بمدى سرعة تنفيذ الناقل الوطني، وخفض الفاقد، وتوسيع المصادر البديلة، وليس بمجرد انتهاء اتفاق واحد.