رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
بوتين وحلم روسيا العظمى .... مستقبل روسيا بعد الحرب: إمبراطورية أم دولة عادية؟


المشاهدات 1091
تاريخ الإضافة 2026/09/23 - 8:18 PM
آخر تحديث 2026/09/24 - 12:52 AM

عندما تسأل روسياً عادياً «كيف الأحوال؟»، غالباً ما يكون جوابه كلمة واحدة: «نُرمال» (طبيعي). وكلمة «الحياة الطبيعية» في القاموس الروسي لا تعني وضعاً مثالياً، ولا حالة كارثية تامة، بل حالة وسطى يمكن تحمّلها وإن لم تكن مثالية. غير أن أغلب الروس اليوم يوافقون، على الأرجح، على أن هذه «الحياة الطبيعية» باتت بعيدة المنال، إلى درجة أن أطفالهم، بل وحتى كبار المسؤولين في الدولة، لن يعرفوا شيئاً آخر سوى هذا الوضع الاستثنائي الذي طال أمده.
في تقرير لها، تكتب مجلة «فارين بوليسي» أن حكومة بوتين باتت تشعر بالتحدي أمام مفهوم «الحياة الطبيعية» نفسه. فقبل الهجوم الروسي الواسع على أوكرانيا عام 2022، كانت الحياة العادية بالنسبة لروس المدن الكبرى، بل وحتى النخب الروسية، أمراً طبيعياً بمجمله. أما اليوم، وبعد أربع سنوات ونصف من الحرب، فإن الحياة «الطبيعية» لم تعد كذلك، حتى بالنسبة للروس الذين يعيشون خارج فقاعتي الأمان النسبي في موسكو وسان بطرسبورغ. وحتى سكان هاتين المدينتين أنفسهما باتوا يواجهون تدريجياً تبعات حرب مطوّلة أدركوا أنها ستستمر أطول بكثير مما كانوا يتخيلون.
هل تحتاج روسيا إلى هزيمة كي تصبح «طبيعية»؟
رغم أن الثقافة السياسية الروسية العريقة تتوق، في جوهرها، إلى الهدوء والاستقرار في الحياة اليومية، فإن كثيراً من الروس يجدون صعوبة في التخلي عن مطالبة بلدهم الدائمة بالعظمة الوطنية. وحتى رحيل بوتين نفسه لن يكون كافياً وحده لحل هذا الإشكال. يطرح الكاتب السؤال الجوهري: هل يمكن لدولة ذات ثقافة إمبراطورية، وثيقة الصلة تاريخياً بالقوة والهيمنة، أن تتحوّل إلى دولة عادية مركّزة ومزدهرة، في وقت لا تزال فيه الحرب التي أشعلتها ضد أوكرانيا مستمرة ومدمّرة؟ احتمال كهذا ليس مستبعداً كلياً، لكنه يبدو بعيد المنال في نظر الكاتب.
وثمة حقيقة مريرة يصعب تقبّلها: ما دامت روسيا مفتونة بعظمتها، فستظل تهديداً جوهرياً لكثير من جيرانها، وفي مقدمتهم أوكرانيا. يعتقد بوتين اليوم أنه يزيد روسيا قوة، لكن العكس تماماً هو ما يراه الكاتب: فاحتمال الانهيار أو التفكك نتيجة سياساته المدمّرة يتصاعد يوماً بعد آخر. وربما لن يدرك الروس واقعهم الحقيقي إلا حين تُحصد بلادهم نتيجة أخرى مختلفة تماماً عمّا يتوقعه بوتين؛ فحين يقتنعون بأن مستقبل بلدهم يمكن أن يُبنى من دون الحاجة إلى أوهام الإمبراطورية والعظمة، عندها فقط سيتخلون عن أمنيتهم القديمة.
دائرة باراديوكسية يصعب الفكاك منها
وقع الروس في فخ تناقض تراكمي: فالتخلي عن الثقافة السياسية القائمة على العظمة والنزعة الإمبريالية قد يفتح الطريق أمام تطبيع روسيا، لكنه في الوقت ذاته يُفقدهم مصدراً مهماً للفخر الوطني والإحساس بالكرامة والقوة. وحتى تفكيك البنية الإمبراطورية، أو تخفيف تعقيدها، قد يهيئ الظروف اللازمة لهذا التطبيع، لكنه وحده غير كافٍ؛ إذ يستلزم تحقيق «انتصار» روسي كبير في أوكرانيا إما انهيار الدولة الأوكرانية الحالية، أو إضعافها بشكل حاسم، أو حدوث نوع من الإصلاحات الشبيهة بما قام به ميخائيل غورباتشوف عبر «البيريسترويكا»، والتي من شأنها إرخاء الروابط الداخلية التي تشدّ البنية الإمبراطورية.
لماذا يهمّ تطبيع روسيا جيرانها بهذا القدر؟
تطبيع روسيا ليس شأناً داخلياً يخصّ بلادها وحدها؛ بل هو مسألة حيوية بالنسبة لجيرانها أيضاً. فثقافة السعي إلى العظمة والبنية الإمبراطورية ليستا وحدهما شرطاً كافياً لأن تبدأ موسكو حرباً، لكن الكاتب يطرح افتراضاً معاكساً تماماً لما هو شائع: هل يمكن لروسيا عادية، قوية ومتمركزة، وقد تحرّرت من الثقافة الإمبراطورية، أن تبدأ حرباً مدمّرة كتلك التي شنّتها ضد أوكرانيا؟ يرى الكاتب أن احتمالاً كهذا بعيد جداً عن الواقع.
العقبة الثانية: بنية الدولة الروسية ذاتها
العامل الثاني الذي يحول دون تحوّل روسيا إلى دولة عادية هو بنية الدولة الروسية نفسها. فالمسألة الجوهرية هنا هي حجم روسيا وتعقيدها الهائلان؛ منطقة سياسية موحّدة تمتدّ عبر 11 منطقة زمنية، وتضم تنوعاً هائلاً من الثقافات والأديان والتواريخ والهويات. دولة بهذه البنية الإمبراطورية الذاتية تنطوي حكماً على شبكة متشابكة من مراكز القوة والمناطق المحيطة بها، التي عادة ما يواجه سكانها خياراً ضيقاً: إما التبعية الصامتة، أو التعاون العملي مع الحكومة المركزية، أو الوقوع تحت طائلة الملاحقة إن انضموا إلى صفوف المعارضين.
كانت روسيا القيصرية إمبراطورية تزارية معلنة، وكان الاتحاد السوفييتي، بنظامه السياسي والاقتصادي شديد المركزية، ربما أكمل صورة إمبراطورية شكّلت النموذج الذي يسعى بوتين إلى إحيائه. وروسيا في عهد بوتين، من هذا المنظور، لا تزال إمبراطورية بكل المقاييس؛ سواء من الداخل أو في نظر طموحاتها التوسعية في المنطقة وخارجها.
ويرى الكاتب أنه لو افترض أحدهم أن غالبية القوميين الروس، على الأقل ظاهرياً، لا يجدون مشكلة في بنية دولتهم الإمبراطورية، فإن أول مثال يستحضره الكاتب هو المعارض الروسي الراحل أليكسي نافالني، أحد أبرز وجوه المعارضة لبوتين، الذي سبق أن أيّد في تصريحاته السابقة سياسات موسكو في هجومها على جورجيا عام 2008 وعلى أوكرانيا عام 2014، قبل أن يعارض لاحقاً ما جرى عام 2022.
العودة إلى الحياة الطبيعية مستحيلة من دون نهاية الحرب
في أقل تقدير، تستلزم العودة إلى وضع طبيعي نهاية الحرب. وهذا يعني، إلى حد بعيد، نهاية حكم بوتين نفسه أيضاً. ومن الممكن أن يواصل بوتين الحرب حتى لو انعكست تبعاتها سلباً عليه، بل حتى لو أدّت إلى إقصائه عن السلطة عبر انقلاب داخلي. لكن حتى في تلك اللحظة التي قد تكون لديه فيها أسباب شخصية وسياسية خاصة تدفعه للإصرار على استمرار الحرب، فإن إنهاءها فعلياً سيظل أمراً بالغ الصعوبة.
الثقافة السياسية الروسية وحلم العظمة
العامل الأول والأهم هو الثقافة السياسية وتصوّر الروس لهويتهم الوطنية. فمن أعمق العناصر التي تشكّل نظرة الروس لأنفسهم ذلك الاعتقاد الراسخ والمقبول ثقافياً بأن روسيا «صُنعت» لتكون عظيمة على نحو خاص ومتفرد. ووفق هذا المنظور، لا تقتصر مهمة روسيا التاريخية على الاستقرار داخل حدودها، بل عليها أن تستثمر إنجازاتها الحضارية في تنظيم حياة مواطنيها اليومية، وأن تحقق في الوقت ذاته مصيرها التاريخي بتوسيع نطاق الحضارة الروسية.
يمكن تتبّع هذه النظرة التاريخية بوضوح لدى كثير من رموز الثقافة الروسية القيصرية، وفي مقدمتهم فيودور دوستويفسكي، وكذلك لدى بعض معارضي الشيوعية، مثل ألكسندر سولجينتسين. وتتجلّى النظرة ذاتها اليوم لدى شخصيات كفلاديمير بوتين، والبطريرك كيريل رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ودميتري مدفيديف، وألكسندر دوغين، وفلاديمير سولوفيوف — وهو ما يعكس مدى تجذّر هذا التصوّر في الوعي الجمعي للمجتمع الروسي حتى اليوم.
* باحث في شؤون الدراسات والثقافات الشرق أوسطية
 


تابعنا على
تصميم وتطوير