
تعد جريمة التستر من الجرائم الخطيرة التي تهدد الأمن المجتمعي وسيادة القانون، لما تنطوي عليه من إعاقة لعمل العدالة وتمكين للجناة من الإفلات من العقاب. والقليل من المواطنين يدرك أن المتستر على جريمة، مع علمه بها، قد يعدّ فاعلاً أصلياً وشريكاً فيها بنظر القانون العراقي، وليس مجرد متفرج.
أولاً: ماهية جريمة التستر وعلاقتها بالجريمة المشهودة
يُقصد بالتستر، امتناع الشخص الذي علم بوقوع جريمة عن الإبلاغ عنها أو عن مرتكبها، رغم قدرته على ذلك.
وتعتبر جريمة التستر في حقيقتها من الجرائم المشهودة، ومعنى الجريمة المشهودة هي التي تقع على مرأى ومسمع من الناس. فالمتستر هو بطبيعته شاهد على الجريمة، علم بوقوعها، وبالتالي يتوجب عليه قانوناً إما إلقاء القبض على الجاني في حالات الجرم المشهود أو الإبلاغ عنه فوراً إلى السلطات المختصة. ويستند هذا الواجب إلى نص المادة (1) والمادة (102) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971، اللتين نظمتا حالات الجريمة المشهودة وواجب كل من علم بها في التحرك والإخبار.
ثانياً: المتستر شريك في الجريمة
إن من لا يبلغ عن الجريمة مع علمه بها لا يبقى في موقف الحياد، بل ينتقل مركزه القانوني إلى شريك في الجريمة. وقد نصت على ذلك المواد (47 و 48 و 49) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969، التي حددت صور الاشتراك الجرمي، ومنها من سهّل أو ساعد أو امتنع عن واجب قانوني يمنع وقوع الجريمة، فيعد شريكاً ويعاقب بعقوبة الفاعل الأصلي.
ثالثاً: آليات الإبلاغ وحماية المبلغ.. وضمانات عدم الكيدية
حرص المشرع العراقي على تشجيع المواطنين على الإبلاغ، فأجاز بموجب المادة (47) من قانون أصول المحاكمات الجزائية لكل من علم بوقوع جريمة أن يبلغ السلطات المختصة، وله أن يطلب أن يكون بلاغه سرياً ولا يُكشف عن هويته.
لكن هذا الحق يجب أن يمارس بدقة وأمانة، فإذا كان البلاغ كاذباً وملفقاً بقصد الإضرار بالغير، فإن المُبلغ يتعرض للعقوبة المنصوص عليها في المادة (243) من قانون العقوبات، والتي عُدلت بموجب القانون رقم (15) لسنة 2009 لتصل عقوبتها إلى السجن عشر سنوات.
ولتوفير بيئة آمنة للمبلغين، صدرت تشريعات حمائية مهمة:
1. قانون مكافأة المخبرين رقم (33) لسنة 2008: الذي منح مكافآت مالية لمن يبلغ عن جرائم الفساد الإداري والمالي.
2. قانون حماية الشهود والخبراء والمخبرين والمجني عليهم رقم (58) لسنة 2017: الذي أوجب على وزارة الداخلية توفير الحماية اللازمة للشهود والمبلغين.
رابعاً: عقوبات التستر في التشريع العراقي
لم يترك القانون العراقي جريمة التستر دون عقاب، بل وزع عقوباتها على عدة قوانين حسب خطورة الجريمة المتستر عليها:
- المادة (245) من قانون العقوبات: تعاقب بالحبس حتى خمس سنوات كل من علم بوقوع جناية وامتنع عن الإبلاغ عنها.
- المادة (247) من قانون العقوبات: تعاقب بنفس العقوبة كل موظف أو مكلف بخدمة عامة كان من واجبه الإبلاغ عن الجرائم ولم يفعل.
- المادة (273) من قانون العقوبات: تصل عقوبتها إلى السجن سبع سنوات بحق كل من أخفى متهماً هارباً أو متستراً عليه من وجه العدالة.
- المواد (240 و 460 و 461) من قانون العقوبات: عالجت صوراً أخرى للتستر وإخفاء الأدلة والأشياء المتحصلة من الجريمة.
أما في الجرائم الأشد خطورة، فقد شدد المشرع العقوبة بشكل استثنائي، حيث نصت المادة (4) من قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 على عقوبة السجن المؤبد لكل من تستر على عمل إرهابي أو آوى إرهابيين مع علمه بذلك.
خامساً: دور التحقيق في كشف جريمة التستر
إن الذي يفك طلاسم جريمة التستر ويكشف حقيقتها هو التحقيق القضائي، من خلال إثبات أركان الجريمة الثلاثة: الركن المادي المتمثل بالامتناع عن الإبلاغ أو إخفاء الجاني، والركن المعنوي المتمثل بالقصد الجنائي وعلم المتستر بالجريمة، والركن القانوني المتمثل بوجود نص يجرم هذا الفعل.
خاتمة وتوصية
إن جريمة التستر جريمة خطرة على كيان المجتمع، لأنها تخلق بيئة حاضنة للجريمة وتشجع على تكرارها. والمشكلة أن الكثيرين لا يدركون أنهم بمجرد سكوتهم يتحولون من شهود إلى متهمين وفاعلين أصليين بنظر القانون.
لذا، فإن الأمر يتطلب حملة توعية قانونية واسعة لترسيخ ثقافة أن الإبلاغ عن الجريمة ليس تطفلاً، بل هو واجب قانوني ووطني وأخلاقي، وأن القانون قد وفر الحماية والسرية والمكافأة للمبلغ الصادق، كما وضع عقوبات رادعة للمتستر والكاذب على حد سواء.