رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
عبور الأجناس الأدبية وتحولات المبدع العراقي ....نادي النقد في إتحاد الأدباء يفتح ملفاً جديداً في الكتابة العراقية


المشاهدات 1080
تاريخ الإضافة 2026/09/23 - 8:16 PM
آخر تحديث 2026/09/24 - 12:52 AM

في جلسة نقدية اتخذت من التحولات التي شهدتها الكتابة العربية والعراقية منطلقاً للبحث والتأمل، نظم نادي النقد في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق جلسة ثقافية ناقشت ظاهرة عبور الأجناس الأدبية وانتقال المبدع من جنس أدبي إلى آخر وما يرافق ذلك من تحولات في الرؤية والتجربة والبنية واللغة.
وجاءت الجلسة محاولة للاقتراب من ظاهرة أخذت تتسع في المشهد الأدبي خلال العقود الأخيرة حيث لم يعد الشاعر شاعراً فقط ولا الروائي روائياً فحسب بل أصبح عدد من المبدعين ينتقلون بين الشعر والرواية والقصة والنقد والمسرح والدراسات الحديثة.
وتجاوزت الأسئلة المطروحة حدود الانتقال الشكلي بين الأجناس لتبحث في الدوافع النفسية والمعرفية والفنية والعمرية التي تقف وراء هذا التحول، فضلاً عن علاقة المبدع بالمتلقي وبالنقد وبالسوق الثقافية وبالتحولات التي أحدثتها الحداثة والعولمة ووسائل الاتصال الحديثة. وقد أكد التقديم الذي افتتحت به الجلسة أن وظيفة نادي النقد لا تتمثل في متابعة النصوص وحدها وإنما في مراقبة الظواهر الجديدة في الثقافة العراقية ومحاولة اكتشاف أسبابها وتحولاتها ومستقبلها. 
لماذا يعبر المبدع من جنس إلى آخر؟
انطلقت الجلسة من سؤال أساسي يتعلق بالمبدع نفسه: ما الذي يدفع الشاعر إلى كتابة الرواية؟ وما الذي يجعل الروائي يتجه إلى الشعر؟ ولماذا ينتقل الكاتب من الإبداع إلى النقد أو من نوع شعري إلى نوع آخر داخل الجنس نفسه؟ وقد طرحت الجلسة احتمالات متعددة لهذه التحولات. فربما يكون الدافع نفسياً أو معرفياً وربما يكون مرتبطاً برغبة المبدع في التجريب والاكتشاف، وربما يجد الكاتب أن الجنس الذي بدأ به لم يعد قادراً على استيعاب التجربة التي يريد التعبير عنها.
كما توقف النقاش عند علاقة العمر بالتجربة الإبداعية وإمكان أن يغير المبدع أدواته ورؤيته مع تقدم العمر. واستحضرت الجلسة مثالاً لشاعر كبير اختار بعد الستين الاتجاه بصورة كاملة نحو قصيدة النثر في القراءة والكتابة. 
وهنا بدا السؤال أكثر عمقاً: هل يتغير الجنس الأدبي لأن المبدع تغير؟ أم أن المبدع هو الذي يغير أدواته لأن تجربته أصبحت أوسع من أن يحتويها جنس واحد؟
النص بين الشعر والسرد
انتقل الحوار بعد ذلك إلى بنية النص ذاته. فالشعر يمتلك نظامه الخاص والرواية تمتلك بنيتها والسرد له تقنياته والمسرح له شروطه. لكن السؤال الذي طرحته الجلسة كان حول ما إذا كان الانتقال بين هذه الأجناس يؤدي إلى تغير جوهري في شخصية المبدع أم أن هناك روحاً إبداعية واحدة تبقى حاضرة في كل ما يكتب؟.
وتوقف النقاش عند صورة الشاعر الذي يمكن أن تظهر روحه الشعرية في قصته وروايته ونقده مثلما تظهر في قصيدته كما تناولت الجلسة التحولات التي تحدث داخل الجنس الشعري نفسه من القصيدة العمودية إلى التفعيلة ثم قصيدة النثر باعتبارها جزءاً من مسار التجريب المستمر الذي يعيشه المبدع. 
المتلقي والنقد والسوق الثقافية
ولم تغفل الجلسة الطرف الآخر من المعادلة وهو المتلقي، فالمبدع لا يكتب في فراغ وإنما يتحرك داخل منظومة ثقافية تتداخل فيها اتجاهات النقد وذائقة الجمهور والنشر والطباعة والانتشار والإشهار، وقد طرحت الجلسة سؤالاً مهماً حول احتمال أن تكون تحولات النقد نفسها عاملاً في دفع المبدع إلى الانتقال بين الأجناس فهل ينتقل بعض الكتاب إلى الرواية بسبب انتشارها؟ وهل تؤثر اتجاهات النقد في خيارات المبدعين؟ وهل يمكن أن تكون حركة السوق الثقافية جزءاً من تفسير ظاهرة عبور الأجناس؟
وتوسعت الأسئلة لتشمل التحولات التي أحدثتها العولمة والحداثة والسيولة الثقافية والتداخل المتزايد بين الأنواع والفنون وظهور الكتابة المفتوحة التي يصعب أحياناً وضعها داخل حدود جنس أدبي واحد. 
الدكتور حازم هاشم: الناقد بطبيعته يتجاوز الحدود
في مداخلته، قدّم الدكتور حازم هاشم قراءة واسعة للظاهرة بدأها من مكانة اتحاد الأدباء والكتاب في الحياة الثقافية العراقية. ووصف الاتحاد بأنه قلعة للعراقية والجمال في مواجهة ما وصفه بمد الكراهية والرثاثة والامتهان للقيم الثقافية الكبرى، ثم انتقل إلى جوهر الموضوع، مؤكداً أن التحول بين الأجناس ليس ظاهرة غريبة عن الثقافة العربية.وأشار إلى أن الناقد العربي في جذوره لم يكن صاحب تخصص ضيق وإنما كان موسوعياً يجمع بين الأدب والتاريخ واللغة والمعرفة العامة. واستشهد بصورة الجاحظ وابن سلام الجمحي وغيرهما من أعلام الثقافة العربية الذين لم تكن كتاباتهم محصورة في مجال معرفي واحد. وبحسب قراءة الدكتور حازم فإن الناقد بطبيعته يميل إلى عبور الحدود لأن أدواته المعرفية تحتاج إلى الإحاطة بأكثر من حقل. 
الشعر بوابة المبدع الأولى
وفي واحدة من أكثر الأفكار حضوراً في مداخلته تحدث الدكتور حازم هاشم عن الشعر بوصفه مرحلة أساسية في حياة المبدع العراقي. ورأى أن كثيراً من المثقفين العراقيين والعرب مروا بمرحلة شعرية في بداياتهم حتى لو اتجهوا لاحقاً إلى المسرح أو الرواية أو النقد. وذهب إلى أن المرور بالتجربة الشعرية يمنح المبدع حساسية لغوية وخيالاً يساعدانه في الانتقال إلى الأجناس الأخرى. وقال إن العقلية العراقية عقلية شعرية بامتياز بما تحمله من انفعال ومزاج وتفاعل سريع مع الأحداث وربط هذه الطبيعة أيضاً بما يظهر في الميديا والتواصل الاجتماعي من سرعة في الانفعال وتبدل في المواقف والمزاج. 
أسباب أخرى خلف التحولات
لم يحصر الدكتور حازم هاشم أسباب الانتقال بين الأجناس في سبب واحد فتحدث عن عوامل اجتماعية وثقافية وفكرية وأيديولوجية يمكن أن تؤثر في مسار المبدع، واستحضر في هذا السياق ملاحظات نقدية تتصل بانتشار بعض الشعراء والعوامل التي يمكن أن تسهم في تكريس أسماء أدبية معينة.
كما أشار إلى حالات وجد فيها الشاعر نفسه مضطراً إلى الذهاب نحو النقد للدفاع عن مشروعه أو تفسيره.
وتوقف عند تجارب أدبية معروفة شهدت انتقالاً بين الشعر والنقد والرواية نتيجة قناعات فكرية أو تحولات في المشروع الإبداعي.
ومن هنا بدا العبور بين الأجناس في حديثه ليس نزوة عابرة وإنما نتيجة شبكة معقدة من العوامل التي تتصل بالمبدع والمجتمع والثقافة والمرحلة التاريخية. 
الدكتور أحمد الزبيدي: هل هناك خصائص تعزل الأجناس؟
أما الدكتور أحمد الزبيدي، فقد دخل إلى الموضوع من زاوية نظرية نقدية متصلة بتاريخ التمييز بين الأجناس الأدبية.
وأكد في بداية مداخلته أهمية الالتفاتة التي قام بها نادي النقد إلى هذه الظاهرة. مشيراً إلى أن هذا الموضوع لم يأخذ بحسب معرفته مساحة كافية في نشاطات الاتحاد بوصفه سؤالاً نقدياً مستقلاً.
وطرح سؤالاً مركزياً حول وجود خصائص فنية تجعل كل جنس أدبي مستقلاً عن غيره بقوانين خاصة به، وهل تكون هذه الخصائص أصلية في جنس معين ثم تصبح فرعاً أو مكوناً عندما تنتقل إلى جنس آخر؟ 
الشعر والنثر في الذاكرة العربية
عاد الدكتور أحمد الزبيدي إلى التراث العربي ليبين أن النقد العربي القديم لم يكن غافلاً عن التمييز بين الشعر والنثر.
وأشار إلى أن العرب كانوا معنيين بالحدود الفاصلة بينهما، وأن الوزن والقافية شكلا من أبرز المعايير التي ميزت الشعر.
كما أشار إلى حضور السجع في النثر والفاصلة في القرآن الكريم ضمن السياق الذي تناوله في حديثه.
غير أن المداخلة لم تتوقف عند الحدود الشكلية بل انتقلت إلى الأدوات النقدية المشتركة بين قراءة الشعر وقراءة النصوص الأخرى.
وبيّن أن المعرفة باللغة والنحو والصرف والبلاغة وتاريخ العرب والأنساب وأشعارهم شكلت أدوات أساسية لدى المفسر والناقد معاً. ومن هنا رأى أن التراث النقدي العربي عرف نوعاً من التداخل المعرفي الذي يجعل الحدود بين الحقول أقل صرامة مما قد تبدو عليه في التصنيفات الحديثة. 
من ضيق الجنس إلى اتساع التجربة
وفي ختام المقطع المتاح من الجلسة، عاد النقاش إلى السؤال الذي يشكل جوهر الظاهرة.
هل يضيق الشعر أحياناً عن استيعاب تجربة الإنسان فينتقل إلى الرواية؟ وهل تضيق الرواية بدورها عن التعبير عن بعض التجارب فيتجه الكاتب إلى المسرح؟
وفي هذا السياق، طرح الدكتور حازم هاشم مصطلحاً لافتاً هو  الاستنفاذ الأجناسي ليصف حالة يمكن أن يشعر فيها المبدع بأن أدوات جنس أدبي معين لم تعد كافية لما يريد التعبير عنه.
كما تناولت المداخلة علاقة العمر بالتجربة الشعرية وبالمخيلة والقدرة على بناء الصور والعلاقات بين الأشياء.  شهادة المبدع في مواجهة النظرية
ومن السمات المهمة في هذه الجلسة أنها لم تكتف بالدرس النقدي الأكاديمي، وإنما سعت إلى حضور شهادة المبدع نفسه، فقد أشير إلى مشاركة الروائي العراقي زيد الشهيد بشهادة تتصل بموضوع الجلسة وكذلك الشاعر والأكاديمي الدكتور جاسم الخالدي.
ويمنح هذا الحضور النقاش بعداً آخر لأن الظاهرة لا تدرس من خارج التجربة فقط بل يمكن أن يتحدث عنها أصحابها من داخل مختبر الكتابة نفسه.
وقد شدد التقديم على أهمية حضور الأديب الشاهد إلى جانب الناقد لأن حركة النقد لا تكتمل بالنظرية وحدها وإنما تحتاج أيضاً إلى الصوت الحي المصاحب للأعمال الإبداعية. 
الكتابة العراقية أمام سؤال المستقبل
تكشف الجلسة في جوهرها عن تحول أوسع في مفهوم الكاتب نفسه، فالكاتب المعاصر لم يعد محكوماً بالضرورة بجنس أدبي واحد والحدود بين الشعر والسرد والنقد والمسرح أخذت تصبح أكثر مرونة مع اتساع المعرفة وتغير وسائل النشر والتلقي.
لكن هذا الاتساع يفتح في الوقت نفسه أسئلة جديدة حول هوية النص وحول ما يبقى ثابتاً في شخصية المبدع عندما تتغير الأشكال. وهنا تبرز أهمية هذا النوع من الجلسات النقدية لأنها لا تنظر إلى الأدب بوصفه نصوصاً منفردة وإنما بوصفه حركة مستمرة تتغير فيها الذائقة والأدوات والمرجعيات.
إن عبور الأجناس الأدبية كما ظهر في الجلسة ليس مجرد انتقال من الشعر إلى الرواية أو من الرواية إلى النقد.
إنه سؤال عن الإنسان المبدع نفسه.. عن حاجته إلى البحث عن الشكل الذي يستطيع أن يحمل تجربته.
وعن العلاقة بين اللغة والفكرة وعن قدرة الأدب على إعادة اكتشاف نفسه كلما تغير الزمن. ومن هذه الزاوية جاءت جلسة نادي النقد في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق بوصفها محاولة لفتح باب أوسع أمام سؤال سيظل حاضراً في الكتابة العراقية والعربية: هل يستطيع المبدع أن يعيش داخل جنس أدبي واحد طوال حياته أم أن طبيعة الإبداع نفسها تدفعه دائماً إلى عبور الحدود؟.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير