رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
سؤال يُطرح ولا ينتظر جواباً مقنعاً


المشاهدات 1119
تاريخ الإضافة 2026/09/19 - 9:08 PM
آخر تحديث 2026/09/20 - 11:45 AM

أن نركن إلى الاستسلام للوقائع والأحداث كما تعرض علينا، وأن نحتمي في التبسيط والسطحية في قراءة ما يحدث، وأن نعتبر ما يجري مضمون فرجة قد تكون مؤلمة للبعض وممتعة لآخرين، فإن ذلك لن ينتهي بنا إلى إقناع أنفسنا بأجوبة واضحة لأسئلة لم يكن لنا أي دور في صياغتها.
من الصعب التسليم بأن تواتر الأزمات وتعاقب المواجهات المسلحة تقتصر أسبابه على محاولة تكسير العظام بين أطراف معينة، أو مجرد تصادم عنيف للمصالح الاقتصادية والجيواستراتيجية لأطراف معينة، أو فقط سعي جهة معينة إلى بسط نفوذها وسيطرتها على نظام عالمي معقد سائد، ولا حتى قدر وقضاء مطالبين بالخضوع إليه. 
فلننظر إلى ما يجري بعقل نقدي من خلال العامل الزمني، فكل أزمة مستجدة متجسدة في مواجهات مسلحة، وفي حروب إبادة وتطهير، لا تخرج إلى الوجود إلا بعد انتهاء صلاحية الأزمة التي سبقتها، وهي بذلك تبدو مرتبة من حيث الزمن والتوقيت. فقد بدت الحرب الروسية الأوكرانية في انطلاقتها بداية فعلية لنهاية النظام العالمي الجديد بسبب حدة المواجهة، ليس بين أوكرانيا وروسيا، بل بين قطبين عالميين يمتلكان من القوة ما يكفي لنهاية العالم في لحظة قصيرة، وتدريجياً أصبحت هذه الحرب مجرد حدث واقع يتعايش مع النظام العالمي، بل أصبح جزءاً منه. 
وفجأة استفاق العالم على أزمة صحية غير مسبوقة ألزمت البشرية بالانزواء في أركان البيوت وأزهقت مئات الأرواح من البشر، وأحدثت هزات عنيفة في سلاسل الإنتاج والتوريد والتسويق في العالم وانتهزتها أسعار المواد الاستهلاكية والخدماتية والصناعية فرصة للتحليق عالياً. وبصفة مفاجئة أيضا عادت الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الوباء واختفى كوفيد وكأنه لم يكن موجودا أصلا، في حين حافظت أسعار جميع المواد الاستهلاكية والخدماتية والصناعية على لياقتها البدنية.. وما أن خفتت الأزمة حتى اشتعل لهيبها في غزة، حيث اقترفت قوات الاحتلال الإسرائيلي أبشع وأفظع الجرائم في تاريخ البشرية الحديث بمباركة من قوة عالمية.. وما أن فرض الأمر الواقع وانتشى الجلاد بانتصاره، وتنفس العالم الصعداء حتى اندلعت مواجهة عسكرية عنيفة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية التي لا تزال تتوالى أحداثها من دون أن تتمكن القوة العظمى من حسمها.هل يحدث كل هذا الترتيب بالصدفة؟ إعمال العقل النقدي يرفض هذا التبسيط السخيف، لأن الأزمات ليس قادرة من حيث أنها أزمات على أن تسير وتتوالد في إطار ترتيب زمني محدد بدقة وانتشار جغرافي معين، ولذلك هذا العقل النقدي يدفعنا إلى إزاحة الستار عن الجزء المخفي عن الناظرين، والكشف عن احتمال أن ما يحدث يندرج في إطار ترتيب معين لسياق معين للنظام العالمي الجديد، ولا يحيد هذا السياق على الاعتراف بأن الأزمة العنيفة أضحت جزءاً مهماً من النظام العالمي الجديد، وأن القوة العظمى رهنت مصالحها الاقتصادية والجيواستراتيجية باستمرار الأزمات.. وبذلك فإن الأزمات العنيفة التي تصل حد المواجهات العسكرية التي تجري أطوارها على المسرح العالمي أصبحت سوقا تجاريا مربحا يذر أرباحا طائلة في تجارة الأسلحة والمعدات والطائرات العسكرية والمسيرات، وغيرها كثير.. وهكذا لا أحد يملك جوابا على سؤال مركزي، هل القوى العظمى التي تخوض حروبا ضد جهات أضعف منها ليست قادرة فعلا على حسمها بما تملك من عناصر الحسم، أم أنها لا ترغب في ذلك لأن مصلحتها الاستراتيجية والاقتصادية ليست في الحسم، بل في استمرار الأزمة قبل التمهيد والتحضير لإشعال لهيب أزمة جديدة؟ 
هذا سؤال نطرحه ولا ننتظر جواباً مقنعاً عنه من أحد، ولكن نطرحه لأنه يتردد في دواخل مَن يعمل العقل النقدي الذي يرفض الاستسلام للوقائع والأحداث كما يعرضها صانعها.


تابعنا على
تصميم وتطوير