رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
جمال برواري صوت غاب وبقي صداه في ذاكرة الإذاعة الكردية


المشاهدات 1111
تاريخ الإضافة 2026/09/16 - 9:28 PM
آخر تحديث 2026/09/17 - 11:57 AM

لم يكن رحيل المذيع والكاتب الإعلامي والشاعر جمال سليمان قاسم برواري مجرد غياب لرجل عمل في الإذاعة والتلفزيون والصحافة سنوات طويلة. فقد كان رحيله غياباً لصوت ارتبط بمرحلة مهمة من مراحل الإعلام العراقي ولا سيما الإذاعة الكردية التي كانت واحدة من المنابر الثقافية والإعلامية التي جمعت بين الخبر والأدب والفن والتواصل المباشر مع الجمهور.
عرفت الزميل الراحل جمال برواري منذ ثمانينيات القرن الماضي مذيعاً وشاعراً وكاتباً. كان شاباً دمث الأخلاق هادئ الطبع كثير السلام قليل الضجيج. وكانت هدوءاته الشخصية تنعكس على أدائه أمام الميكروفون فيمنح الكلمة حضورها ويمنح المستمع شعوراً بأن الصوت الذي يأتيه من جهاز الراديو ليس صوت مذيع يؤدي واجباً وظيفياً وإنما صوت إنسان يعرف مستمعيه ويحاورهم ويصغي إليهم.
ولد جمال سليمان قاسم برواري عام 1946 في قرية ديريشكي في منطقة برواري بالا التابعة لقضاء العمادية في محافظة دهوك. وكانت طفولته الأولى في بيئة جبلية قريبة من الحدود التركية وهي بيئة ستظل حاضرة في ذاكرته وفي تكوينه الأدبي والثقافي.
الجذور الأولى
نشأ جمال برواري في عائلة عرفت بالعلم الديني. كان والده إماماً وخطيباً للقرية وكذلك جده قاسم. وكان أحد أجداده من جهة والدته عالماً دينياً معروفاً في قرية مايي التي عرفت بعدد من علمائها وشخصياتها الأدبية.
في تلك البيئة تعلم مبادئ القراءة وقراءة القرآن على يد والده. ولم يكن الطريق إلى الإعلام مرسوماً له منذ البداية. فقد كان تأثير الأسرة في حياته أكبر في الجانب الأدبي والثقافي بينما جاء اختياره للإعلام نتيجة مسار دراسي وشخصي قاده تدريجياً إلى عالم الإذاعة.
أنهى دراسته الابتدائية في قريته التي بقيت عزيزة على قلبه ثم انتقل مع عائلته إلى الموصل. وبعد ذلك واصل دراسته في العمادية قبل أن ينتقل إلى بغداد حيث أكمل دراسته المتوسطة والإعدادية ثم التحق بجامعة بغداد كلية الآداب قسم اللغة الكردية.
وكانت الجامعة بالنسبة إليه أكثر من محطة تعليمية. فقد وجد فيها فرصة للاحتكاك بأساتذة كبار في الأدب واللغة الكردية وتكونت لديه خلال تلك المرحلة شخصية المثقف الذي لا يكتفي بالوظيفة وإنما يبحث عن المعرفة ويقترب من الأدب والشعر والفن.
من مقاعد الجامعة إلى الميكروفون
بدأت علاقة جمال برواري بالإذاعة الكردية وهو طالب في كلية الآداب. فقد تعرف إلى عدد من الطلبة الكرد الذين كانوا يعملون في الإذاعة على نظام أجور البرامج ومن بينهم الإعلامي والإذاعي المعروف هاشم علي مندي.
كان ذلك التعارف بداية الطريق. شجعه زملاؤه على دخول الإذاعة الكردية وخضع لاختبارات اللغة والصوت والإلقاء. وفي عام 1972 بدأ العمل على أجور البرامج مترجماً ومذيعاً.
وكان وجوده في الإذاعة في تلك الفترة فرصة مهمة لصقل موهبته. فالإذاعة لا تمنح المذيع صوته فقط وإنما تعلمه الانضباط والسرعة ودقة اللغة وحسن الأداء والقدرة على التعامل مع المادة المباشرة. وقد امتلك برواري هذه الأدوات بالتدريج حتى أصبح واحداً من الأصوات المعروفة في الإذاعة الكردية.
بعد تخرجه في جامعة بغداد عام 1973 عين على الملاك الدائم في الإذاعة الكردية. وهكذا تحول العمل الذي بدأه طالباً إلى مسيرة مهنية امتدت سنوات طويلة.
المترجم الذي أصبح صوتاً للإذاعة
كان أول عمل كلف به جمال برواري ترجمة نشرة إخبارية من العربية إلى الكردية. وقد يبدو هذا العمل بعيداً عن البرامج الجماهيرية التي عرف بها لاحقاً إلا أنه كان مدرسة حقيقية في العمل الإذاعي. فالمترجم الإذاعي لا ينقل الكلمات فقط وإنما ينقل المعنى والحدث والإيقاع إلى لغة أخرى. ومن هنا بدأ برواري يثبت حضوره المهني قبل أن ينتقل إلى مساحة أوسع في التقديم والإعداد.
عمل مذيعاً للأخبار وشارك في افتتاح الإذاعة وقرأ نشرة السابعة صباحاً كما كان يقرأ نشرة التاسعة مساء وموجز الحادية عشرة. وكانت الأخبار تصل إلى الإذاعة من قسم الأخبار ليجري إعدادها وترجمتها إلى اللغة الكردية قبل تقديمها للمستمعين.. وفي تلك المرحلة عمل إلى جانب عدد من الأسماء التي شكلت جزءاً من ذاكرة الإذاعة الكردية في بغداد ومن بينهم عبد الإله موسى وهاشم علي مندي ومحمد صديق الإمام ومحمود مفتي وسكفان عبد الحكيم وعبد الله عباس وعبد الوهاب طالباني ونهاية جلال وشرين عباس وكمال رؤوف محمد وإسماعيل إبراهيم سعيد ومحمد سليم سواري وبهاء الدين جلال وعبد الله أميدي وكميلة علي ومحمد أمين هورامي وشاكر منصور وكمال أمين سمين، وغيرهم.. كانت تلك المجموعة تمثل جيلاً من الإعلاميين الذين ارتبطت أصواتهم بمرحلة مهمة من تاريخ الإعلام العراقي.
حين تحول  الميكروفون إلى جسر
إذا كانت الأخبار قد منحت جمال برواري موقعه كمذيع فإن برنامج «مع المستمعين» هو الذي منحه حضوره الجماهيري الأوسع.
كان البرنامج تجربة مختلفة في الإذاعة الكردية لأنه قام على الاتصال المباشر مع الجمهور عبر الهاتف. وكان برواري يستقبل مكالمات المستمعين ويمنحهم مساحة للحديث عن الشعر والأدب والتاريخ والفن ويستثمر البرنامج في التواصل مع الفنانين والأدباء والمثقفين الكرد.
بهذا المعنى لم يكن البرنامج مجرد مساحة ترفيهية أو لقاء عابر مع الجمهور. لقد أصبح وسيلة اتصال ثقافية واسعة وجسراً بين الإذاعة ومستمعيها.. وكان حجم التفاعل مع البرنامج كبيراً حتى أصبح اسم جمال برواري مرتبطاً به. وظلت الذاكرة الشعبية في دهوك ومحافظات الإقليم تستعيد تلك السنوات بوصفها زمناً جميلاً للإذاعة حين كان المستمع ينتظر موعد البرنامج ليشارك بصوته أو قصيدته أو فكرته.
ولعل الشاعر سلمان شيخ ممي اختصر أثر البرنامج حين قال لبرواري في إحدى المناسبات الثقافية إن برنامج مع المستمعين جعله شاعراً.. وهذه الشهادة تكشف القيمة الحقيقية للتجربة. فالإعلامي الناجح لا يكتفي بأن يكون صوتاً مسموعاً وإنما يستطيع أن يكتشف أصواتاً أخرى ويمنحها فرصة الظهور.
تجربة أخرى أمام الكاميرا
لم تتوقف تجربة جمال برواري عند حدود الإذاعة. فقد عمل في التلفزيون الكردي في بغداد وقدم برامج تلفزيونية خلال شهر رمضان كما قدم برنامجاً فنياً منوعاً.. وكانت له تجربة أخرى مع الكاميرا المحمولة في تغطية النشاطات الأدبية والثقافية.
وهنا انتقل من عالم الصوت إلى عالم الصورة. وهي نقلة تتطلب أدوات مختلفة في الأداء والحضور والتعامل مع الكاميرا والحدث. غير أن خبرته الإذاعية منحته قدرة واضحة على إدارة الحوار والتواصل مع الضيوف والجمهور.
وبذلك جمع برواري بين ثلاثة مسارات إعلامية متكاملة هي المذيع الإذاعي والمقدم التلفزيوني والمحرر الصحفي.
 الوجه الآخر للمذيع
كان جمال برواري يحمل إلى جانب الميكروفون اهتماماً واضحاً بالشعر والأدب والفن. بدأ الكتابة في الصحف والمجلات الكردية خلال سنوات دراسته الجامعية، وكان أول مقال له في جريدة هاوكاري. ثم واصل الكتابة في الصحافة وأصبح من كتاب جريدة التآخي التي ظل قريباً منها بعد توقف الإذاعة الكردية.
وفي الجانب الأدبي صدر له كتاب شعري بعنوان «الحلم الذي لم أره»،  كما صدر له كتاب «صفحات من الأدب والفن الكردي» عن دار الثقافة والنشر الكردية.
وكان لديه كتاب آخر يحمل عنوان  «أنا والمايكرو فون»، يتناول جانباً من ذكرياته وتجربته أمام ميكروفون الإذاعة الكردية. وكان هذا الكتاب يمكن أن يمثل شهادة مهمة على مرحلة إعلامية كاملة لأنه يروي التجربة من داخل الاستوديو ومن ذاكرة مذيع عاش تفاصيلها. الشعر في المهرجانات
لم يكن الشعر بالنسبة إلى برواري هواية جانبية. فقد شارك شاعراً في دورتين من مهرجان المربد في بغداد وألقى عدداً من قصائده أمام الجمهور. كما شارك في مهرجانات شعرية أقامتها دار الثقافة والنشر الكردية في بغداد وكردستان وشارك في نشاطات جمعية الثقافة الكردية في بغداد وكان عضواً في هيئتها الإدارية.
وهكذا بدا مساره الثقافي متوازياً مع مساره الإعلامي. فالميكروفون لم يبعده عن الشعر وإنما كان امتداداً لصوته الأدبي.
صحافة تحمل ما تبقى من الصوت
كان توقف الإذاعة الكردية محطة مؤلمة في حياة جمال برواري. فقد رأى في غلقها خسارة لإحدى الإذاعات العراقية العريقة التي امتد بثها لعقود طويلة.
وكان أكثر ما يؤلمه ضياع أرشيفها الغني. ولذلك حاول مع آخرين الدفع باتجاه إعادة بثها باعتبارها جزءاً من التراث الإذاعي العراقي إلا أن محاولاته لم تجد الاستجابة التي كان يأملها.
بعد توقف البث اتجه برواري إلى الصحافة وعمل محرراً في جريدة التآخي. ولم يكن انتقاله إلى الصحافة انقطاعاً عن الإعلام وإنما استمراراً لمسيرته بوسيلة أخرى.
 وفاء للذاكرة الثقافية
ظل جمال برواري حاضراً في النشاطات الأدبية والفنية والثقافية حتى سنواته الأخيرة. ومن آخر نشاطاته تقديم ندوة استذكارية في دار الثقافة والنشر الكردية حول الفنانة الكردية الراحلة كولبهار.
حضر الندوة وكيل وزارة الثقافة فوزي الأتروشي. وكانت المناسبة بالنسبة إلى برواري فرصة أخرى للدفاع عن فكرة إعادة الإذاعة الكردية إلى البث باعتبارها إذاعة عراقية تراثية تستحق أن تستعيد حضورها.
وهكذا ظل الرجل حتى آخر الطريق وفياً للمكان الذي صنع جزءاً أساسياً من حياته. لم يكن يطالب بعودة إذاعة فحسب وإنما كان يدافع عن ذاكرة وطنية وثقافية وإعلامية يخشى عليها من الغياب.
 ذاكرة لا تنتهي عند رحيل صاحبها
عندما نستعيد اليوم سيرة جمال برواري فإننا لا نستعيد مذيعاً كردياً عمل في الإذاعة والتلفزيون فقط. نحن نستعيد نموذجاً من الإعلامي المثقف الذي جمع بين المهنة والأدب والشعر والفن والصحافة.. كانت رحلته تبدأ من قرية جبلية صغيرة وتنتهي في فضاء إعلامي واسع. وبين المحطتين كانت هناك جامعة بغداد وميكروفون الإذاعة وشاشة التلفزيون وصفحات الصحف ومنابر الشعر والندوات الثقافية.
وقد يكون أجمل ما بقي من تجربته ذلك الأثر الذي تركه في ذاكرة المستمعين. فالأصوات الإذاعية الحقيقية لا تنتهي بانتهاء البث ولا تغيب تماماً برحيل أصحابها. إنها تستقر في الذاكرة مثل أغنية قديمة أو نشرة أخبار كان الناس ينتظرونها أو برنامج كان يفتح الهاتف أمام الجمهور ليقول كلمته.
رحل جمال برواري وبقي صوته في ذاكرة الذين عرفوه وبقيت تجربته شاهدة على زمن كانت فيه الإذاعة بيتاً للمذيع والمثقف والشاعر والفنان.. وبقي  مع المستمعين عنواناً يلخص فلسفته الإعلامية كلها فقد كان دائماً مع المستمعين, وكان المستمعون معه , وهذا هو الإرث الذي لا تستطيع السنوات أن تطفئه.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير