رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
فصل السلطات أم توازن الإرادات ؟


المشاهدات 1101
تاريخ الإضافة 2026/09/15 - 11:12 PM
آخر تحديث 2026/09/16 - 11:42 AM

 يبرز تساؤل جوهري في الفكر الدستوري المعاصر يتجاوز التفسيرات السطحية للنصوص المدونة: هل تقيم الدولة الحديثة بنيانها المؤسساتي على مجرد «فصل السلطات» الميكانيكي، أم أن جوهرها يكمن في هندسة «توازن الإرادات» السياسية والقانونية التي تشكل روح الجماعة؟ إن النظرة العلمية لظاهرة القانون لا تقف عند المظاهر الشكلية للمؤسسات، بل تغوص في ماهية السلطة وفلسفتها الحاكمة، لتكشف أن التشريعات ليست مجرد قوالب جامدة، بل هي تعبير حي عن إرادة الدولة الكلية وفلسفتها في الحكم والإدارة، وهو ما يتجلى بوضوح عند تفكيك أبعاد المشهد الدستوري في العراق.
لقد درجت الأدبيات القانونية التقليدية على تمجيد مبدأ فصل السلطات بوصفه ترياقاً مطلقاً ضد الاستبداد وضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات العامة. غير أن الواقع العملي والتطور التاريخي للأنظمة السياسية يثبتان أن هذا الفصل، إذا ما اخذ بمعناه الجامد، يتحول حتماً إلى أداة لتعطيل الدولة وتشظي قرارها السيادي الموحد. في العراق، واجهت التجربة الدستورية بعد عام ألفين وثلاثة مأزق الفهم الميكانيكي للمادة 47 من الدستور؛ حيث تحول الفصل بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى جزر معزولة تتنازع الصلاحيات، بدلاً من تعزيز التكامل. فالسيادة في جوهرها الفلسفي وحدة عليا لا تقبل التجزئة، وما السلطات الثلاث إلا مظهر خارجي لإرادة عامة موحدة يجب أن تتحرك بانسجام لتجنب الشلل السياسي.
من هنا، يتضح للمراقب أن الرهان الحقيقي لبناء دولة الحق لا يقوم على العزل الصارم بين المؤسسات، بل على صياغة «توازن الإرادات» الفاعلة. هذا التوازن الدقيق يعني بالضرورة وجود اعتراف متبادل بين القوى السياسية والقانونية المكونة للنسيج العراقي، حيث لا تنفرد إرادة فرعية بصياغة المصير العام، ولا تتغول سلطة على أخرى تحت مسمى الصلاحيات الممنوحة لها. إن الدستور العراقي في حقيقته الفلسفية يجب ألا يختزل في كونه وثيقة لتوزيع الحصص والمناصب، بل هو ميثاق وطني يضبط حركة الإرادات المتدافعة لمنع التصادم الكارثي. فعندما تصاغ التشريعات لتعبر بصدق عن العقل الجماعي للمجتمع بمختلف أطيافه، ويقف القضاء حارساً أميناً لروح العدالة لا لحرفية النص، يتحقق حينها التوازن الدستوري المنشود.إن الإفراط في النزعة القانونية الشكلية يغفل دائماً الجانب الإنساني والفلسفي الأعمق للقانون. فالقانون ظاهرة اجتماعية بامتياز، ومحاولة فصله عن بيئته الفكرية تؤدي إلى نشوء نصوص ميتة لا تحرك واقعاً. إن بناء دولة القانون في العراق يتطلب إدراكاً بأن القوة المادية للسلطة يجب أن تخضع دوماً للإرادة العقلانية الواعية. وهذا الخضوع لا يأتي من خلال نصوص جامدة تغذي الصراعات التفسيرية، بل من خلال بناء ثقافة دستورية تؤمن بأن مشروعية السلطة مشروطة تماماً بالتزامها الأخلاقي والعملي بتحقيق الخير العام والعدالة الاجتماعية الشاملة لجميع الأفراد دون تمييز أو إقصاء.
وفي ظل التحولات المتسارعة والأزمات المعقدة التي يمر بها العراق لغاية عام 2026، تصبح الحاجة إلى توازن الإرادات أكثر الحاحاً من أي وقت مضى. فالأزمات الوطنية الكبرى لا تحل بمتون النصوص وجداول الصلاحيات الضيقة، بل بالقدرة على صهر الإرادات المتعددة في بوتقة واحدة تمثل المصلحة الوطنية العليا للدولة. إن تغليب فلسفة التوازن على آلية الفصل الجامدة يمنح الدولة المرونة والقدرة اللازمة لمواجهة التحديات المستجدة، وحل الخلافات المزمنة بين بغداد والمحافظات والإقليم، دون السقوط في فخ الاستبداد أو الانزلاق نحو فوضى المؤسسات الميكانيكية وصراعاتها العقيمة.
 إن الانتقال بالدولة من نموذج الفصل الميكانيكي الجامد إلى نموذج التوازن الحيوي للإرادات هو جوهر التطور الدستوري الحديث والفكر القانوني. إنه اعتراف صريح بأن الدولة كائن حي ينمو ويتأثر بحركة الأفكار والإرادات الفاعلة، وأن القانون هو الأداة الفلسفية المعنية بضبط هذا النمو وتوجيهه نحو مراسي الاستقرار والعدالة الحقيقية. وبذلك، لا تعود السلطة سيفاً مسلطاً، بل تتحول إلى تجسيد حقيقي وعقلاني لإرادة أمة حرة تنشد الحق والحرية والكرامة في ظل نظام قانوني متوازن، متكامل، ومتجدد يضمن بقاء الدولة العراقية وتطورها المستمر.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير