
كان لصوت بائع النفط في الأزقة نبرة خاصة يعرفها أهل البيت قبل أن يظهر الرجل عند الباب. وما إن يُسمع النداء حتى تتحرك الأيدي لإحضار التنكة أو الجلكانات الفارغة. كان البائع يأتي محملاً بما تحتاجه البيوت من الكاز الذي كان يومها جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
لم يكن النفط مجرد وقود في البيت العراقي القديم. كان رفيقاً للمطبخ وللمصباح ولأيام الشتاء الباردة. وكانت مواقد النفط تحتل مكاناً معروفاً في كثير من المطابخ. عليها يُطهى الطعام وتغلى المياه وتُعد الشاي والقهوة. وفي ليالي انقطاع الكهرباء كان مصباح النفط يمنح الغرفة ضوءاً خافتاً تتجمع حوله العائلة.
وكان لبائع النفط طقوسه التي لا تخطئها الذاكرة. يحمل الكاز في أوعية خاصة ويتنقل بين البيوت والأزقة. يعرف أهل المنطقة ويعرفونه. وفي بعض الأحياء كان حضوره جزءاً من حركة الصباح أو الظهيرة مثل بائع الخضار وبائع اللبن وبائع الخبز.
وكانت رائحة النفط تنتشر في البيت بمجرد ملء الموقد أو المصباح. رائحة نفاذة لكنها أصبحت مع مرور الأيام جزءاً من ذاكرة المكان. حتى الملابس التي تلامس الموقد كانت تحمل شيئاً من تلك الرائحة. واليوم قد تبدو تلك الرائحة ثقيلة لمن لم يعشها لكنها بالنسبة إلى أبناء تلك السنوات تحمل شيئاً من دفء البيت وهدوء المساء.
ثم تغيرت الحياة شيئاً فشيئاً. دخلت أجهزة الطبخ الحديثة وانتشرت أساليب أخرى للطهي والإضاءة وتراجعت الحاجة إلى مواقد الكاز ومصابيحه. ومع هذا التغيير اختفى بائع النفط من كثير من الأزقة كما اختفت مهن وأصوات كثيرة كانت تمنح المدن العراقية شخصيتها اليومية.
لكن الذاكرة لا تتعامل مع الأشياء كما يتعامل معها الزمن. فقد يختفي الموقد وتبقى رائحته. وقد يغيب البائع ويبقى صوته في مكان ما من الذاكرة. وقد تصبح التنكة القديمة قطعة لا قيمة لها في نظر الآخرين لكنها عند صاحبها تختزن سنوات من البيت والعائلة والطفولة.
هكذا كان بائع النفط أكثر من رجل يبيع وقوداً. كان واحداً من وجوه المدينة القديمة. وكان النفط نفسه جزءاً من قاموس الحياة العراقية في زمن كانت الأشياء بسيطة لكنها تترك أثراً عميقاً.
ولعل أجمل ما في الذاكرة أنها لا تستعيد الماضي كاملاً. إنها تستعيد منه صوتاً أو رائحة أو صورة صغيرة. ورائحة النفط واحدة من تلك العلامات التي تكفي وحدها لأن تفتح باباً واسعاً على بيوت عراقية قديمة وعلى زمن كانت فيه للنفط رائحة وللأزقة أصوات وللطفولة طقوس لا تزال تعيش في الذاكرة.