رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
رهان مجيد الخالدي


المشاهدات 1168
تاريخ الإضافة 2026/09/13 - 9:52 PM
آخر تحديث 2026/09/14 - 6:39 AM

أذكر أن الصديق المصور الصحفي البارع مجيد الخالدي كان كثيراً ما يحدثني باعتزاز عن أولاده، وبالذات عن ولده علي، الذي كان يراهن عليه في الدخول إلى عالم الصحافة والإعلام. وكان الخالدي آنذاك يعمل مصوراً في جريدة « الزوراء» أيام كنت رئيساً لتحريرها، وقد نشأت بيننا علاقة صداقة ومحبة، وعرفت فيه مصوراً محباً لمهنته، مثابراً عليها، نشيطاً في ملاحقة الصورة أينما كانت، وقد استثمرتُ حبه لمهنته ونشاطه في حاجتي أحياناً إلى ريبورتاجات صحفية سريعة للصفحة الأخيرة تعتمد الصورة أكثر من الكتابة، فكنت أكلفه، حين لا يتهيأ لي محرر، أن يجلب صوراً لمشاهد يلتقطها من الحياة اليومية والأسواق والشوارع، مع بعض المعلومات الشفاهية البسيطة، لأعيد صياغتها ووضعها في قالب صحفي صالح للنشر، وكان مجيد يعود دائماً بما يستحق النشر، لأن عين المصور الصحفي المدرب ترى أحياناً ما لا تراه العين العابرة.
وتشاء المصادفات أن يُقبل ولده علي في قسم الإعلام بكلية الآداب في جامعة بغداد للعام الدراسي 1999-2000، وكنت حينها مكلفاً بتدريس مادة الفلسفة لطلبة الإعلام، يوم كان طلبة الإعلام يدرسون الفلسفة، وهكذا رأيت الابن في قاعة الدرس بعد أن عرفت الأب في ميدان الصحافة، وقد لاحظت عليه نشاطاً واضحاً ورثه عن والده، ورغبة في ألا يكتفي بما يتلقاه من دراسة نظرية، بل أن يقترب من الميدان، ويتدرب، ويطور أدواته وقدراته اللغوية والإعلامية. ومع مرور السنوات، أثبت علي الخالدي أن رهان والده لم يكن مجرد أمنية أب لابنه، بل كان قراءة مبكرة لاستعداد حقيقي، فقد واصل تطوير نفسه حتى أقدم على خطوة جريئة تمثلت في تأسيس مركز بغداد للإعلام (BMC) منذ أكثر من سبعة عشر عاماً، استطاع خلالها أن يرسخ حضوره بوصفه واحداً من المراكز المعروفة في تدريب الكفاءات الإعلامية في العراق، واللافت في تجربة المركز أنه لم يتعامل مع التدريب بوصفه دورة سريعة تمنح المتدرب شهادة ثم ينتهي كل شيء، بل بنى منهجه على تدريب ممتد يبدأ من الأساسيات، متمثلة باللغة والثقافة العامة، وسلامة النطق والصوت والحضور، ثم يتدرج إلى مهارات الظهور التلفزيوني والإعداد والتحرير والعمل الميداني وصولاً إلى المستوى المهني الاحترافي، وهو منهج يدرك أن الإعلامي لا تصنعه الكاميرا وحدها، مثلما لا تصنعه الشهادة الأكاديمية وحدها، وإنما تصنعه المعرفة واللغة والثقافة والتدريب والممارسة.
وحين أتأمل اليوم هذه المسيرة، أعود بذاكرتي إلى مجيد الخالدي رحمه الله وهو يحدثني، قبل أكثر من ربع قرن، عن ولده علي، ويراهن على مستقبله في الصحافة والإعلام، يومها كان علي طالباً يتلمس أول الطريق، أما اليوم فإن الأسماء الكثيرة التي مرت بمركزه وانتقلت منه إلى الشاشات وغرف الأخبار ومواقع العمل الإعلامي تقول إن ذلك الرهان القديم لم يذهب سدى، فقد كسب مجيد الخالدي رهانه، وكسب علي رهانه أيضاً، فليس أجمل من أن يتحول حلم الأب إلى مشروع للابن، ثم يتحول مشروع الابن إلى مكان يساعد أحلام شباب آخرين على أن تجد طريقها إلى الضوء.


تابعنا على
تصميم وتطوير