رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
كيف يتخذ الذكاء الاصطناعي القرار نيابة عن المجتمع ؟


المشاهدات 1106
تاريخ الإضافة 2026/09/09 - 10:22 PM
آخر تحديث 2026/09/10 - 12:45 PM

حتى الأمس كانت المشكلة تتلخص في: هل الخبر الذي نقرأه صحيح أم كاذب؟ أما اليوم فعلينا أن نطرح سؤالاً أصعب: هل الذين يؤكدون هذا الخبر أو ينفونه أو يناقشونه هم بالفعل بشر؟ هذا ليس تحوّلاً بسيطاً.
فالذكاء الاصطناعي جعل توليد النص والصورة والصوت أمراً بالغ السهولة. لكن الخطر الأكبر يكمن في استخدام هذه التقنية نفسها لصنع شخصيات اصطناعية وإدخالها في حوارات حقيقية. ويؤكد تقرير حديث صادر عن المركز الأعلى للاتصالات الاستراتيجية التابع لحلف الناتو لعام 2026 على هذا التحوّل ذاته: فالعمليات الاستخباراتية لم تعد بالضرورة تعتمد على أعداد كبيرة من الحسابات الآلية البسيطة القابلة للكشف؛ فالأنظمة الجديدة قادرة على التصرف بشكل أكثر طبيعية والاندماج في سياق الحوارات الحقيقية. المسألة إذن ليست فقط «الخبر المزيّف»، بل الأخطر منها هي «الواقع الاجتماعي المزيّف».
وإذا أردنا ألا نقع في فخ هذا الفضاء الجديد، فعلينا أن نأخذ خمس نقاط على محمل الجد:
1. ألّا نخلط بين «اللايك» وصوت الناس.من أسوأ عاداتنا أننا نعتبر عدد الإعجابات والمشاهدات والتعليقات مؤشراً على الأهمية الاجتماعية لموضوع ما. لكن الأمر ليس كذلك. فقد يحصد موضوع ما آلاف التفاعلات دون أن يكون في الواقع هاجساً حقيقياً في حياة الناس. وعلى العكس، قد يكون موضوع ما مهماً لملايين البشر دون أن يكون له صدى يُذكر على منصات التواصل الاجتماعي. والذكاء الاصطناعي يوسّع هذه الفجوة؛ فحين يصبح إنشاء الحسابات وإنتاج المحتوى رخيصاً، يمكن تضخيم أي موضوع ليبدو أكبر بكثير من حجمه الحقيقي. لذا حين نرى موضوعاً «ترند»، يجب ألا يكون سؤالنا الأول: لماذا يتحدث الجميع عن هذا؟ بل السؤال الأصح هو: هل يتحدث الجميع فعلاً، أم أن الأمر يُصوَّر وكأن الجميع يتحدثون؟ وهذا هو الفارق بين الرأي العام الحقيقي وصناعة صورة عن الرأي العام.
2. قبل الخبر، لنبحث عن المصدر.
يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يُنتج في ثوانٍ نصاً يشبه تقرير صحفي محترف، وأن يصنع صوراً، ويولّد أصواتاً، بل ويقلّد نبرة الأشخاص أنفسهم. لذلك لم يعد المظهر الاحترافي دليلاً على المصداقية. فكون النص مكتوباً بإتقان، أو الصورة تبدو واقعية، أو الجملة قيلت بثقة كبيرة، لا يمنح أياً من ذلك بمفرده قيمة خبرية. نحتاج إلى قاعدة بسيطة: كلما كان الخبر أهم وأكثر إثارة، وجب علينا التدقيق في مصدره أكثر. فلنبحث عن الخبر من مصدره الأول، ولنتحقق مما إذا كانت وسيلة إعلامية موثوقة أخرى قد أكدته. وإذا كان ادعاء ما يتداول فقط على منصات التواصل الاجتماعي دون أي أثر مستقل له، فعلينا أن نتعامل معه بحذر، على الأقل مؤقتاً. المطلوب ليس تكذيب كل شيء، بل التوقف قليلاً قبل التصديق. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح التوقف بحد ذاته مهارة.
3. حين نغضب كثيراً، فلنشكّ أكثر.
المعلومات المضلِّلة ليست دائماً أكذوبة كبرى؛ فأحياناً تنتقي حقيقة صغيرة وتقدّمها بطريقة تثير فينا الغضب أو القلق أو الرعب. لماذا؟ لأن الإنسان الغاضب يدقق أقل ويتفاعل أكثر. وقد أتاح الذكاء الاصطناعي إمكانية صياغة رسائل مصمَّمة خصيصاً لكل فئة من الجمهور، بحسب حساسياتها؛ فقد يُستفَز شخص بالخوف، وآخر بالغضب، وثالث بالشعور بالإهانة أو التهديد. هنا علينا أن نبني عادة بسيطة: كلما أثار محتوى ما مشاعرنا بشدة، فلنتوقف لحظة قبل إعادة نشره ونسأل أنفسنا: «هل يريد هذا المحتوى أن يوعّيني، أم أن يدفعني لرد فعل؟». هذا السؤال البسيط وحده كفيل بمنع كثير من الأخطاء.
4. لا نفترض أن منصات التواصل الاجتماعي مرآة  للمجتمع.
هذه النصيحة هي الأهم على الإطلاق، وليست موجهة فقط للمستخدمين العاديين؛ بل يجب على وسائل الإعلام وصنّاع القرار أخذها بجدية أيضاً. فمنصات التواصل الاجتماعي تعكس جزءاً من المجتمع، لا المجتمع بأكمله بالضرورة. والآن أُضيفت مشكلة جديدة: فقد يكون جزء مما نراه نتاج نشاط حسابات اصطناعية. ونتيجة لذلك، إذا اتخذ صانع القرار قراره استناداً فقط إلى أجواء منصات التواصل، فقد يقيس مخرجات الآلات بدلاً من قياس نبض المجتمع. تخيّلوا أن مجموعة اصطناعية تضخّم مطلباً ما، فتأخذه وسائل الإعلام على محمل الجد، ثم يتابع صانعو القرار تلك التقارير الإعلامية، ثم يُعاد نشر تلك التقارير نفسها على منصات التواصل من جديد. في النهاية يتصور الجميع أن هذا ما يريده المجتمع، في حين أن جزءاً مهماً من هذه الصورة قد يكون مصطنعاً منذ البداية. لذا يجب قياس الرأي العام من مسارات متعددة: استطلاعات الرأي الموثوقة، وسلوك الناس الفعلي، والبيانات المستقلة، وبالطبع منصات التواصل الاجتماعي.
5. بدلاً من زيادة اليقين، لنزد من قدرتنا على الشك.
أكبر خطأ هو تصوّر أن بضع أدوات لكشف الذكاء الاصطناعي كافية لحل المشكلة؛ فهذا لن يحدث. فالتقنية تتغير أسرع من قواعدنا. قد يكون كشف صورة مزيّفة سهلاً اليوم، لكنه قد يصبح أصعب بكثير غداً. وقد تمتلك الحسابات الاصطناعية اليوم نمط سلوك واضحاً، لكنها غداً قد تتصرف بشكل أكثر طبيعية بكثير. لذا فالحل ليس تقنياً فحسب؛ بل يجب على المجتمع أن يبني «مناعة معرفية»، بمعنى أن يعتاد الناس على ألّا يصدّقوا أي ادعاء فوراً، وألّا يعتبروا أي موجة انتشار مؤشراً على رأي الأغلبية، وألّا يفترضوا أن كل ما ينسجم مع مشاعرهم هو الحقيقة. وهذا لا يعني بالطبع انعدام الثقة المطلق؛ فالمجتمع الذي لا يثق بأحد ليس مجتمعاً سليماً هو الآخر.
الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي لا يكمن في إمكانية استخدامه لصنع محتوى مزيّف وأكاذيب؛ فالبشر كانوا يكذبون من قبل، ووسائل الإعلام واجهت المعلومات المضللة على الدوام. المسألة الجديدة هي الحجم والسرعة. فالذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج، في وقت قصير، محتوى يشبه ما ينتجه الإنسان، ونشره في البيئة المعلوماتية. ويحذّر تقرير الناتو أيضاً من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يجعل عمليات التسلل والتلاعب بالمعلومات أرخص كلفة وأوسع نطاقاً وأصعب كشفاً.
 لذلك علينا أن نُعِدّ أنفسنا لعالمٍ قد لا يوجد فيه «إجماع» حقيقي، لكنه يُمثَّل بشكل جيد لدرجة أن الجميع يعتقد بوجوده. وهذا الخطر أكبر بكثير من خطر خبر مزيّف بسيط؛ فالخبر المزيّف قد يخدع شخصاً واحداً، أما الرأي العام المزيّف فقد يُضلّل صانع القرار ووسائل الإعلام، بل والمجتمع نفسه، بشأن ما يريده الناس فعلاً.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير