رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
أريان صابر: الذاكرة بحر الرواية والبيئة الكردية ذاكرة أخرى للحكاية


المشاهدات 1091
تاريخ الإضافة 2026/09/09 - 10:17 PM
آخر تحديث 2026/09/10 - 12:45 PM

في الكتابة الروائية لا تأتي الذاكرة بوصفها مخزناً للماضي فحسب بل بوصفها أرضاً خفية تنبت فيها الحكايات كلما اقترب الكاتب من ذاته ومن الأمكنة التي تركت ندوبها في روحه. ولعل الروائي الذي ينتمي إلى بيئة غنية بالتقاليد والعادات والتفاصيل اليومية لا يستطيع أن يعزل تجربته الإبداعية عن تلك الذاكرة التي تراكمت في وجدانه منذ الطفولة. فالبيئة ليست مجرد خلفية للرواية بل تتحول في لحظة الكتابة إلى شخصية حية تتحرك بين السطور وتتكلم بلغتها وتستعيد طقوسها وملامحها وأصواتها.
في تجربة الروائي أريان صابر تبدو الذاكرة مساحة واسعة لاستعادة التفاصيل واستنطاق المكان والطفولة والكتاب الأول. إنها ذاكرة لا تكتفي بتسجيل ما مضى بل تعيد تشكيله في المخيلة وتمنحه حياة جديدة داخل النص. ومن هنا كان الكتاب رفيقاً مبكراً في طفولته وكانت المدرسة بوابة أولى إلى عالم اللغة والأدب قبل أن يدرك أن تلك الخطوات الصغيرة كانت تقوده بهدوء نحو عالم الرواية.
في هذا الحوار نتوقف مع أريان صابر عند الذاكرة بوصفها منبعاً للسرد وعند البيئة الكردية بما تختزنه من عادات وتقاليد وطقوس يومية، كما نستعيد معه علاقته الأولى بالكتاب والقراءة وذاكرة الطفولة التي حملت إليها الأم تفاصيلها ومحبتها وصبرها.
الذاكرة بوصفها خزينة الرواية
* اهلا وسهلا بك استاذ اريان ضيفا على الزوراء؟ 
ــ اهلا بك استاذ جمال وبجريدتكم الغراء .
* حين نتحدث عن الروائي والذاكرة هل يمكن القول إن الذاكرة هي المادة الأولى التي تتشكل منها الرواية؟ وما مقدار حضور الذاكرة الشخصية في تجربتك الإبداعية؟
_ أعتقد أن ذاكرة الروائي عميقة كالبحر. إنها تخزن الكثير من التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها الإنسان في لحظتها، لكنه يعود إليها حين يبدأ بالكتابة. الذاكرة لا تحتفظ بالأحداث الكبيرة وحدها بل تختزن الأشياء الصغيرة أيضاً. نظرة عابرة وصوتاً قديماً ورائحة مكان وملامح أشخاص وطقوساً يومية وربما كلمة قالتها الأم أو الأب في لحظة عادية ثم بقيت عالقة في مكان ما من الروح. ولهذا أرى أن الذاكرة بالنسبة إلى الروائي ليست مجرد أرشيف شخصي بل عالم كامل يمكن العودة إليه كلما احتاج الكاتب إلى مادة سردية. وربما لهذا السبب لا يستطيع الروائي أن يتخلص تماماً من سيرته مهما حاول. فالسيرة تتسلل إلى العمل الأدبي بصورة مباشرة أو غير مباشرة وتظهر في الشخصيات والأمكنة والعلاقات وفي طريقة النظر إلى الأشياء.
* هل تشعر أثناء الكتابة أنك تستعيد ذاكرتك أم أنك تعيد اختراعها من جديد؟
_ ربما الأمران يحدثان في الوقت نفسه. نحن لا نستعيد الذاكرة كما هي لأن الذاكرة نفسها تتغير بمرور الزمن. حين أعود إلى حدث قديم فإنني لا أراه بعين الطفل الذي عاشه وإنما بعين الإنسان الذي أصبحته اليوم. ولذلك فإن الكتابة تعيد تشكيل الذاكرة وتمنحها معنى جديداً. أحياناً أكتشف أن تفصيلاً صغيراً كنت أعتقد أنه عابر أصبح بعد سنوات مفتاحاً لفهم شخصية أو مكان أو مرحلة كاملة.
البيئة الكردية وحضورها في السرد
* البيئة الكردية غنية بالعادات والتقاليد والأزياء والمأكولات والطقوس الاجتماعية. كيف تنعكس هذه البيئة في تجربتك الروائية؟
_ البيئة الكردية تختلف بلا ريب عن غيرها من البيئات من حيث العادات والتقاليد والملبس وحتى طريقة تحضير الأطباق. هذه التفاصيل ليست أشياء هامشية بالنسبة إلى الكاتب لأنها تشكل جزءاً من الوعي الجمعي للناس. حين يعيش الإنسان داخل بيئة معينة فإنه يتشرب تفاصيلها من دون أن يشعر.
ولذلك فإن البيئة ستكون حاضرة في أي عمل أدبي بطريقة أو بأخرى. قد تظهر في وصف مكان أو في طريقة حديث شخصية أو في لباسها أو في الطعام الذي تقدمه أو في علاقة الناس بعضهم ببعض. وأحياناً تكون البيئة حاضرة من دون أن يتعمد الكاتب استحضارها. إنها جزء من تكوينه ولذلك لا يستطيع أن يخرج منها تماماً.
* هل ترى أن الكاتب يستطيع أن يكتب بعيداً عن بيئته؟
_ يستطيع أن يكتب عن أماكن أخرى وشخصيات أخرى وتجارب مختلفة ولكن من الصعب أن يكتب بعيداً عن ذاته تماماً. حتى عندما يتناول الكاتب بيئة بعيدة عنه فإنه يحمل معه نظرته الخاصة وثقافته وذاكرته وطريقته في رؤية الأشياء. البيئة الأولى تبقى حاضرة بطريقة ما لأنها تشكل البدايات الأولى للوعي.
الطفولة والكتاب الأول
* متى بدأت علاقتك بالكتاب؟ وهل تتذكر اللحظة التي شعرت فيها بأن الكتاب يمكن أن يصبح رفيقاً دائماً؟
_ لا أستطيع تحديد تاريخ علاقتي بالكتاب بدقة. كل تلميذ يبدأ من بعد السادسة وهو يحتضن الكتب ويذهب إلى المدرسة. وأنا مثل زملائي بدأت تلك العلاقة من المدرسة. لكنني أتذكر جيداً تلك السنوات وتفاصيلها الصغيرة..في أيام المطر كنت أخفي كتبي تحت قمصلة عسكرية سهرت والدتي ليال وهي تخيطها. كنت أتأبط كتبي وأذهب إلى المدرسة. ربما تبدو هذه الصورة بسيطة الآن لكنها بالنسبة إلي تحمل الكثير من معنى تلك المرحلة. كان الكتاب شيئاً أحمله معي وأحاول أن أحميه من المطر مثلما أحمي شيئاً عزيزاً علي.
* وما الذي منحك إياه الكتاب في تلك المرحلة المبكرة؟
_ تعلمت من الكتاب أشياء كثيرة قبل أن أدرك أنني أتعلمها. تعلمت مثلاً كيف أميز بين الغين والعين وبين السين والشين. كانت اللغة بالنسبة إلي عالماً أكتشفه بالتدريج. ومع مرور الوقت بدأ الكتاب يفتح أمامي أبواباً أخرى. لم يعد مجرد كتاب مدرسي بل أصبح نافذة على عالم لا أعرفه.. وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يفعله الكتاب بالطفل هو أن يجعله يكتشف العالم من دون أن يترك مكانه. كنت أتعرف إلى كلمات جديدة وأصوات جديدة وشخصيات وأمكنة وحكايات. ومن حيث لا أدري بدأت أقترب من عالم الأدب.
رواية الجذور وذاكرة الاقتناء
* ما أول كتاب اشتريته بنفسك؟
_  أول كتاب اشتريته كان رواية الجذور  لأليكس هايلي. وما زلت إلى اليوم أحتفظ بالرواية في جزأين. دفعت الكثير من المال من أجل الحصول عليها وكانت بالنسبة إلي أكثر من مجرد كتاب. كانت شيئاً أردت أن أمتلكه وأن يبقى معي.
وأعتقد أن علاقة الإنسان بالكتاب لا تقاس دائماً بعدد الكتب التي قرأها بل بالكتب التي تركت أثراً خاصاً فيه. هناك كتب نقرأها ثم ننساها وهناك كتب تصبح جزءاً من ذاكرتنا الشخصية.  الجذور من الكتب التي بقيت معي ولهذا احتفظت بها طوال هذه السنوات.
* هل كانت الجذور أول رواية قرأتها؟
_ رغم أنها أول رواية اشتريتها فإنها لم تكن أول كتاب بدأت قراءته وبلغت نهايته. أتذكر جيداً أن أول كتاب بدأت بقراءته ووصلت إلى نهايته كان  الليالي البيضاء  لدوستويفسكي.
دوستويفسكي وبداية الوعي الأدبي
*  ماذا يعني أن تكون  الليالي البيضاء  لدوستويفسكي أول كتاب تصل معه إلى النهاية؟
_ ربما لم أكن في ذلك العمر أمتلك الوعي الكافي لأفهم كل ما في الكتاب من مستويات ودلالات. لكنني كنت أشعر أن هناك عالماً مختلفاً ينفتح أمامي. كانت القراءة في بدايتها بالنسبة إلي اكتشافاً قبل أن تصبح وعياً أدبياً.
أحياناً لا نفهم الكتاب كاملاً حين نقرأه للمرة الأولى لكن شيئاً منه يبقى في الداخل. وبعد سنوات حين نعود إليه نكتشف أننا كنا نقرأه بطريقة مختلفة تماماً. وهذا ما يجعل القراءة رحلة مستمرة وليست محطة تنتهي بمجرد إغلاق الكتاب.
* وهل تعتقد أن القراءات الأولى تترك أثرها في الكاتب حتى بعد سنوات طويلة؟
_  بالتأكيد. القراءات الأولى تشبه البذور. قد لا نرى أثرها فوراً لكنها تبقى في الداخل وتكبر مع الزمن. وربما يعود الكاتب بعد سنوات إلى شيء قرأه في طفولته أو شبابه فيكتشف أنه كان حاضراً في تكوينه من دون أن ينتبه.
من القارئ إلى الروائي
* متى شعرت أن علاقتك بالكتاب تجاوزت حدود القارئ لتقترب من الكاتب أو الروائي؟
_ التحول لا يحدث في لحظة واحدة. يبدأ الإنسان قارئاً ثم يتعلم من الكتب كيف يرى العالم وكيف يفهم الإنسان وكيف يلاحظ التفاصيل. ومع كثرة القراءة يبدأ السؤال بالظهور: ماذا لو كتبت أنا أيضاً؟ لكن الانتقال من القارئ إلى الكاتب يحتاج إلى تجربة طويلة وإلى رغبة حقيقية في البحث عن صوت خاص.
بالنسبة إلي كانت القراءة هي الأرض التي سبقت الكتابة. ومن الصعب أن يتخيل الإنسان كاتباً من دون ذاكرة قرائية. الكاتب لا يكتب من فراغ. إنه يكتب من تجاربه ومن أسئلته ومن علاقته بالمكان والناس ومن الكتب التي عاش معها.
* وما الذي بقي من الطفل الذي كان يخفي كتبه من المطر داخل الروائي الذي يكتب اليوم؟
_  بقي الكثير. أعتقد أن ذلك الطفل لم يختف. ما زال موجوداً في مكان ما داخلي. ما زالت هناك علاقة خاصة بالكتاب وبالذاكرة وبالتفاصيل الصغيرة. وربما الروائي في داخله هو ذلك الطفل نفسه ولكنه أصبح أكثر قدرة على فهم ما كان يراه في طفولته. الطفل كان يحمل الكتاب ويحاول حمايته من المطر أما الروائي اليوم فيحاول أن يحمي ذاكرته من النسيان. وبين الأمرين علاقة عميقة. فالكتاب حفظ لي أشياء كثيرة والكتابة تحاول الآن أن تحفظ ما يمكن أن يضيع من الذاكرة.
الرواية بين الذاكرة والمكان
* إذا كانت الذاكرة بحر الروائي والبيئة جزءاً من تكوينه فكيف يمكن أن يتحول الاثنان إلى رواية؟
_  عندما تتفاعل الذاكرة مع المخيلة يتحول الواقع إلى مادة سردية. المكان وحده لا يصنع الرواية والذاكرة وحدها لا تكفي. هناك حاجة إلى المخيلة التي تعيد ترتيب الأشياء وتمنحها حياة جديدة.
قد أتذكر بيتاً أو شارعاً أو شخصاً أو عادة اجتماعية ولكنني حين أكتب لا أنقلها كما هي بالضرورة. أعيد تشكيلها وفق ضرورات العمل الفني. المهم أن تبقى روح المكان وصدق الشعور موجودين.
* وهل يمكن للرواية أن تكون شكلاً من أشكال مقاومة النسيان؟
_   نعم. الرواية تستطيع أن تحفظ أشياء قد لا تحفظها الكتب التاريخية. إنها تحفظ التفاصيل الإنسانية. تحفظ صوت الناس وملامحهم وعاداتهم وأحلامهم ومخاوفهم. ولهذا أرى أن الكتابة مسؤولية أيضاً. حين أكتب عن بيئة أو زمن أو أشخاص فإنني أساهم بطريقة ما في حفظ جزء من الذاكرة.
* أخيراً ماذا يعني لك الكتاب اليوم بعد كل هذه الرحلة؟
_ ما زال الكتاب بالنسبة إلي ذلك الرفيق الأول الذي بدأ معي من المدرسة. تغيرت علاقتي به وتوسعت لكن جوهرها لم يتغير. ما زلت أرى في الكتاب باباً إلى عالم آخر. وما زلت أعتقد أن الإنسان كلما قرأ أكثر اكتشف كم أن العالم أوسع مما يظن. وربما لهذا بقيت صورة الطفل الذي يتأبط كتبه في المطر حاضرة في ذاكرتي. كانت تلك البداية البسيطة تحمل شيئاً لم أكن أعرفه آنذاك. كنت أذهب إلى المدرسة حاملاً كتبي ولم أكن أعرف أنني كنت أحمل معي أيضاً البذرة الأولى لعلاقة طويلة مع الأدب والقراءة والكتابة.
شكرا لك استاذ اريان، متمنين لك دوام العطاء ونتاجات اخرى بإذنه تعالى .


تابعنا على
تصميم وتطوير