رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الحكمة والجهل في الحرب ....هل تخطئ القوى الكبرى تقدير سلوك إيران ؟


المشاهدات 1097
تاريخ الإضافة 2026/09/07 - 11:48 PM
آخر تحديث 2026/09/08 - 1:11 PM

ما صدر في الأسابيع الأخيرة عن سياسة واشنطن تجاه إيران، أعاد إحياء سؤال قديم: لماذا تُخطئ القوى الكبرى، رغم امتلاكها أدوات عسكرية واقتصادية هائلة، مرارًا في تقدير سلوك إيران؟ الجواب لا يكمن في ضعف تحليلي بالمعنى التقني، بل في سوء فهم أعمق؛ سوء فهم جذوره تجاهل منطق الصبر الاستراتيجي الإيراني في مواجهة منطق أمريكي متسرّع ومرتبط بالانتخابات.
أمريكا، وخصوصًا في عهد ترامب، نظرت دائمًا إلى الحرب من خلال معادلة قصيرة المدى: ضغط أقصى، ثم نتيجة سريعة. هذه النظرة نابعة من نظام سياسي تدق فيه ساعة الانتخابات كل سنتين، ولا يستطيع أي رئيس أن يفلت من منطق الرأي العام والأسواق قصير الأمد. أما إيران فتدخل الميدان بمنطق مختلف؛ منطق تعلّمته من أربعة عقود من العقوبات والضغط والتهديد بل والحرب، مفاده أن الزمن، بحد ذاته، سلاح. وهذا ما يمكن تسميته بـ»الحكمة الإيرانية»: ليس التسرّع في الرد، بل إدارة الكلفة على المدى الطويل. أما الجهل الأمريكي هنا فلا يعني نقص المعلومات أو القوة العسكرية، بل يعني تكرار خطأ تاريخي: الاعتقاد بأن الضغط الاقتصادي والعسكري يؤدي تلقائيًا إلى الانهيار السياسي أو التمرد الداخلي. تجربة العراق وليبيا وأفغانستان، بل وإيران نفسها في العقود الماضية، دحضت هذه الفرضية مرارًا. ومع ذلك، يعود صانع القرار الأمريكي في كل مرة إلى النمط ذاته، وكأنه لم يقرأ التاريخ أو لم يشأ قراءته. مضيق هرمز مثال بيّن على هذه الحكمة. فبدلًا من المواجهة المباشرة الباهظة الكلفة، حوّلت طهران نقطة التقاء المصالح العالمية إلى رافعة ضغط؛ رافعة تنقل كلفة السياسة الأمريكية العدوانية إلى خارج حدود إيران، لتثقل كاهل سوق الطاقة العالمية والاقتصاد الأمريكي الداخلي. وهنا بالضبط يكشف الجهل الأمريكي عن نفسه: تصوّر أن بالإمكان خوض حرب في منطقة كالخليج الفارسي دون دفع ثمن على المستوى العالمي. من جهة أخرى، وخلافًا للصورة السائدة في الإعلام الغربي، تسلك إيران أيضًا سلوكًا محسوبًا في مواجهة الضغط الداخلي. فصانع القرار الإيراني يدرك أن الانهيار الاقتصادي الداخلي، إن لم تتم إدارته، قد يقرّب من تحقيق ما تريده واشنطن؛ لكنه يدرك أيضًا أن الخسائر المدنية والإذلال الوطني، خلافًا لتوقعات الأمريكيين، تؤدي عادة إلى التلاحم الداخلي لا إلى التمرد. وهذه الدقة في قراءة سيكولوجية المجتمع الإيراني هي جزء آخر من الحكمة الغائبة في الطرف الآخر من المعادلة. وأخيرًا، ما تسعى هذه المقالة إلى طرحه ليس مديحًا أحاديًا لطهران ولا تحقيرًا مبسّطًا لواشنطن، بل الإشارة إلى حقيقة استراتيجية: في الحروب الطويلة، لا يكون النصر لمن يوجّه الضربة الأولى، بل لمن يُحسن قراءة الزمن. وفي هذه المعادلة تحديدًا، يبدو أن الصبر الإيراني، حتى هذه المرحلة على الأقل، قد تفوّق على التسرّع الأمريكي.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير