
ليس معرض بغداد الدولي للكتاب مجرد موعد ثقافي يتكرر كل عام، ولا هو مجموعة أجنحة تتجاور فيها الكتب ودور النشر، ثم تنفضّ في نهاية الأيام. ثمة شيء أعمق يحدث في بغداد عندما تُفتح أبواب المعرض، شيء يشبه عودة المدينة إلى صورتها القديمة؛ إلى بغداد التي كانت تضع الكتاب في قلب حياتها، وتعرف أن الثقافة ليست ترفاً، وأن الكلمة يمكن أن تكون جسراً بين الإنسان ونفسه، وبين المدينة وذاكرتها، وبين الحاضر والمستقبل.في الثاني من أيلول، فتحت بغداد أبواب الدورة السابعة والعشرين من معرضها الدولي للكتاب، بمشاركة 618 دار نشر من 28 دولة عربية وأجنبية، لتتحول أرض المعرض إلى مساحة واسعة للكتاب والفكر والحوار .. لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس كم دار نشر جاءت؟ وكم كتاباً عُرض؟ وكم فعالية ستقام؟.. السؤال الحقيقي هو: ماذا يعني أن تظل بغداد، رغم كل ما مر بها، قادرة على أن تجمع الناس حول كتاب؟
إنها ليست مسألة أرقام، فالمدينة التي عرفت الحروب والانقسامات والخوف، تستطيع اليوم أن تقول بصوت هادئ: ما زال لدينا متسع للكلمة... وما أجمل أن يكون الكتاب هو الذي يستعيد هذا المتسع.
في المعرض، لا يأتي القارئ بحثاً عن كتاب فحسب.. أحياناً يأتي بحثاً عن نفسه. يتجول بين الرفوف، يلمس غلافاً، يقلب الصفحات، يتذكر كتاباً قرأه في شبابه، أو يبحث عن رواية سمع عنها من صديق، أو يشتري كتاباً لطفل لم يتعلم بعد أن الكتاب يمكن أن يصبح صديق العمر.. وهنا تكمن قيمة المعرض الحقيقية.. أن يعيد للقراءة طقسها الإنساني.. فالكتاب الذي يصل إلى يد قارئ جديد ليس مجرد سلعة انتقلت من رف إلى آخر؛ إنه فكرة تعبر من عقل إلى عقل، وتجربة إنسانية تجد طريقها إلى قلب لم تكن تعرفه.ولعل أجمل ما في معرض بغداد هذا العام هو اتساع المشهد الثقافي حوله. فالبرنامج لا يقتصر على بيع الكتب، بل يضم ندوات فكرية وجلسات حوارية وأمسيات شعرية وفعاليات فنية، ويستضيف أسماء أدبية وفكرية من بلدان عربية مختلفة، وهذا مهم جداً؛ لأن المعرض الناجح ليس الذي تمتلئ أجنحته بالكتب فقط، بل الذي تمتلئ ساحاته بالأسئلة.. نحن بحاجة إلى الأسئلة أكثر من حاجتنا إلى الإجابات الجاهزة.. بحاجة إلى أن يجلس الشاعر إلى جانب الروائي، والباحث إلى جانب القارئ، والناقد إلى جانب الكاتب الشاب، وأن تستعيد بغداد تقليداً ثقافياً عريقاً: أن يكون الاختلاف في الأفكار طريقاً إلى الحوار، لا سبباً للقطيعة.. وما أحوجنا اليوم إلى هذا النوع من اللقاءات.بغداد ليست مدينة عابرة في تاريخ الكتاب العربي.. هذه المدينة حملت منذ قرون ذاكرة العلم والأدب والترجمة والفكر، ولذلك فإن عودة الكتاب إلى شوارعها ليست عودة لحدث ثقافي فحسب، وإنما عودة لجزء من روحها.. حين تمتلئ قاعات المعرض بالشباب، أشعر أن المستقبل لا يزال بخير.. وحين أرى أباً يختار كتاباً لابنه، أو أماً تقف طويلاً أمام رف الروايات، أو شاباً يقلب كتاباً لا يعرف مؤلفه بعد، أشعر أن القراءة لم تمت، وإنما كانت تنتظر فضاءً يوقظها.هناك مدن تُقاس بما تضعه في عقول أبنائها.. وبغداد، حين تفتح أبوابها للكتاب، إنما تفتح نافذة أخرى على صورتها التي نحبها: مدينة لا تخشى المعرفة، ولا تخاف من السؤال، ولا تتخلى عن ذاكرتها.. ولهذا فكلما فتحت بغداد أبوابها للكتاب، شعرنا أن المدينة تفتح لنا أبواباً أخرى… نحو مستقبل أكثر اتساعاً، وأكثر إنسانية.