رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الكواليس السرية للشرق الأوسط ....النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين


المشاهدات 1114
تاريخ الإضافة 2026/09/06 - 8:38 PM
آخر تحديث 2026/09/07 - 1:11 PM

هل كان الاتحاد السوفيتي داعماً مخلصاً للعرب، أم كان يراها مجرد رقعة في لعبة الحرب الباردة؟
هذا هو السؤال المحوري الذي يطرحه يفغيني بريماكوف في كتابه المثير «الكواليس السرية للشرق الأوسط». لكن المفارقة أن هذا الكتاب ليس مجرد تأريخ من منظور روسي، بل هو شهادة حية من رجل كان في قلب الأحداث: رئيس وزراء روسيا الأسبق، ووزير خارجيتها، ورئيس مخابراتها الخارجية، والأهم من ذلك، مراسل صحفي سوفييتي في القاهرة وعميل استخباراتي مخضرم عاش تفاصيل التحولات الكبرى في المنطقة.
يأخذنا بريماكوف في رحلة خلف الكواليس الدبلوماسية والاستخباراتية، من لقاءاته السرية مع جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وياسر عرفات، إلى قنوات الاتصال الخفية مع إسرائيل، وصولاً إلى تحليله النقدي للقومية العربية والصحوة الإسلامية. الكتاب ليس مجرد مذكرات، بل هو موسوعة سياسية تكشف كيف نظرت موسكو إلى الشرق الأوسط، وكيف أدارت لعبة التوازن بين دعم الحلفاء ومصالحها العليا. يسعى بريماكوف إلى تقديم رؤية داخلية من منظور روسي/سوفييتي لتحولات الشرق الأوسط خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مبرزاً أن سياسة موسكو في المنطقة لم تكن أيديولوجية بحتة، بل كانت براغماتية وواقعية، تستجيب للمتغيرات الإقليمية والدولية. ويؤكد المؤلف أن القادة العرب لم يكونوا دمى في يد أحد المعسكرين، بل كانوا فاعلين براغماتيين يستخدمون التنافس الدولي لخدمة مصالحهم الوطنية. كما يكشف كيف أن التدخلات الغربية، وليس «التخلف» أو «العنف الديني»، هي التي شكلت ملامح الصراعات الدائرة في المنطقة.
 المحاور الأساسية
المحور الأول: نشأة القومية العربية وموقف موسكو
يبدأ الكتاب بتحليل صعود حركة الضباط الأحرار في مصر بقيادة جمال عبد الناصر، ويعتبر بريماكوف أن القومية العربية كانت رد فعل طبيعياً على الاستعمار الغربي، وليست نتاجاً لمؤامرات شيوعية. لكنه يلفت الانتباه إلى أن موسكو واجهت صعوبة في التعامل مع هذه الأنظمة التي كانت ترفض أي تبعية أيديولوجية، وتقمع الأحزاب الشيوعية المحلية رغم الدعم السوفييتي. يخلص المؤلف إلى أن الشيوعية كانت «قضية خاسرة» في المنطقة، وأن القومية العربية كانت أقوى منها بكثير.
المحور الثاني: أزمة السويس 1956 وتحالف مصر مع الاتحاد السوفييتي
يستعرض بريماكوف بالتفصيل كيف أن رفض الولايات المتحدة تمويل السد العالي وبيع الأسلحة لمصر هو ما دفع عبد الناصر إلى التوجه نحو موسكو. يكشف المؤلف عن لقاءاته مع ناصر والمستشارين السوفييت، موضحاً أن القيادة المصرية كانت براغماتية وتسعى للحصول على الدعم دون أي التزامات أيديولوجية. كما يروي قصة استدعاء ناصر للخبير الاقتصادي السوفييتي ليبرمان لمناقشة إمكانية الجمع بين الاشتراكية والقطاع الخاص، مما أثار حفيظة الماركسيين المتشددين في موسكو.
المحور الثالث: كواليس حربي 1967 و1973
يكشف الكتاب عن واحدة من أكثر اللحظات توتراً في الحرب الباردة: المذكرة السوفييتية شديدة اللهجة للرئيس جونسون خلال حرب 1967، والتي هددت بـ «اتخاذ قرار مستقل» وقطعت العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. يؤكد بريماكوف أن موسكو كانت مستعدة للتدخل عسكرياً لمنع سقوط دمشق، وأن واشنطن فهمت ذلك كـ «خط أحمر» لا يجب تجاوزه. كما يقدم تحليلاً مثيراً للجدل حول حرب أكتوبر 1973، معتبراً أن هنري كيسنجر شجع السادات على الحرب لتحسين موقفه التفاوضي تمهيداً لسلام منفرد، لكن إسرائيل أفشلت الخطة بانتصارها العسكري.
المحور الرابع: القناة السرية مع إسرائيل
أحد أكثر فصول الكتاب إثارة هو الكشف عن قناة اتصال سرية استمرت عشرين عاماً (1971-1991) بين الاتحاد السوفييتي وإسرائيل، رغم انقطاع العلاقات الدبلوماسية الرسمية. قاد بريماكوف هذه القناة بنفسه، والتقى خلالها كبار المسؤولين الإسرائيليين مثل غولدا مائير وموشيه ديان وإسحق رابين. يكشف الكتاب كيف كانت موسكو تستخدم هذه القناة لفهم النوايا الإسرائيلية والتأثير على مسار المفاوضات، مما يمنح القارئ منظوراً فريداً عن ازدواجية السياسة السوفييتية في المنطقة.
المحور الخامس: قراءات في شخصيات المنطقة
لا يخلو الكتاب من تحليل معمق لشخصيات المنطقة بعد لقاءات مطولة معهم. يقدم بريماكوف رؤيته الخاصة لـ:
جمال عبد الناصر: كزعيم براغماتي ووطني، لكنه كان مغرماً بالسلطة وأحياناً غير واقعي في تقديراته.
حافظ الأسد: كسياسي بارد وحذر، كان يتقن لعبة الموازنة بين القوى الكبرى.
صدام حسين: يصفه بريماكوف بأنه كان يعاني من أوهام في قراءته للسياسة الأمريكية، مما قاده إلى كارثة 1991 ثم 2003.
ياسر عرفات: كرجل استطاع أن يبقي القضية الفلسطينية حية، لكنه كان غير قادر على اتخاذ قرارات حاسمة.
المحور السادس: الصحوة الإسلامية ونهاية الحرب الباردة
يتناول الكتاب بروز التيارات الإسلامية في السبعينيات والثمانينيات، ويعتبر بريماكوف أن هذه الظاهرة كانت رد فعل على فشل المشاريع القومية واليسارية، إضافة إلى دعم غربي للجماعات الإسلامية في أفغانستان كأداة لمحاربة الشيوعية. كما يحلل تفكك الاتحاد السوفييتي وتأثيره على المنطقة، حيث تحولت روسيا من لاعب رئيسي إلى طرف ثانوي، مما فتح الباب أمام الهيمنة الأمريكية الكاملة على الشرق الأوسط.
الاستقبال النقدي
لقي الكتاب إشادة واسعة بصفته شهادة تاريخية فريدة من أحد أهم صناع السياسة الروس في العصر الحديث. وقد أثنى النقاد على جرأة بريماكوف في الكشف عن تفاصيل لم تكن معروفة من قبل، مثل القناة السرية مع إسرائيل، وتحليلاته الصريحة للقادة العرب والإسرائيليين. كما اعتبر البعض الكتاب مرجعاً أساسياً لفهم السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط، بعيداً عن الأيديولوجيات والخطابات الدعائية.
من ناحية أخرى، واجه الكتاب انتقادات من بعض الأكاديميين الغربيين الذين اتهموا بريماكوف بـ المبالغة في تبرير السياسات السوفييتية وتجاهل الجوانب السلبية لها، مثل الدعم العسكري للأنظمة الاستبدادية وقمع الشيوعيين العرب. كما رأى آخرون أن تحليلاته للأحداث تتأثر بمنظوره الروسي، وأنه يغفل بعض العوامل الداخلية والإقليمية المؤثرة في تشكيل المنطقة.
ومع ذلك، يظل الكتاب مرجعاً حيوياً لفهم تعقيدات السياسة الدولية في الشرق الأوسط خلال فترة الحرب الباردة، ويقدم رؤية نادرة من داخل آلة صنع القرار السوفييتي.
 المغزى الفكري
يكمن المغزى الأساسي للكتاب في كونه يقدم تفكيكاً لخطاب الحرب الباردة، ويكشف كيف أن الصراع الدولي كان يُقرأ من منظور روسي مختلف تماماً عن القراءات الغربية الأمريكية. يؤكد بريماكوف أن الاتحاد السوفييتي لم يكن يسعى إلى «أسلمة» العالم أو نشر الشيوعية بالقوة، بل كان يتحرك وفق حسابات واقعية وبراغماتية تهدف إلى مواجهة النفوذ الغربي وحماية مصالحه الاستراتيجية.
كما يسعى الكتاب إلى تحرير القارئ العربي من خطاب التبعية، مقدماً صورة للقادة العرب كفاعلين وليس مجرد ضحايا أو أدوات في أيدي القوى العظمى. ويدعو إلى فهم التاريخ بعيداً عن التبسيط الثنائي (الخير ضد الشر، الغرب ضد الشرق)، والاعتراف بأن المنطقة كانت وستبقى ساحة صراع معقد بين مصالح متشابكة ومتناقضة.
جمع بريماكوف بين الخبرة الأكاديمية والعمل الاستخباراتي والدبلوماسي، مما جعله واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في السياسة الخارجية الروسية خلال مرحلة انتقالية حساسة من انهيار الاتحاد السوفييتي إلى صعود روسيا الجديدة. عُرف ببراغماتيته وواقعيته، وبمعارضته الشديدة للتوسع الغربي في الشرق الأوسط، خاصة حرب العراق عام 2003.
الخلاصة النهائية
«الكواليس السرية للشرق الأوسط» هو أكثر من مجرد مذكرات سياسية؛ إنه مرآة تعكس كيف نظرت موسكو إلى المنطقة لعقود طويلة. يرى بريماكوف أن الفوضى في الشرق الأوسط ليست نتيجة طبيعية لتخلفه أو انقساماته، بل هي نتاج تدخلات القوى العظمى التي سعت إلى تفتيته لخدمة مصالحها، أولاً بريطانيا وفرنسا، ثم الولايات المتحدة، وأخيراً الاتحاد السوفييتي الذي كان لاعباً أساسياً في هذه اللعبة رغم ادعائه دعم الاستقلال العربي.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير