رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
جماليات النص والتجربة الإبداعية في (زخيخة) لطه جزّاع


المشاهدات 1114
تاريخ الإضافة 2026/09/06 - 8:37 PM
آخر تحديث 2026/09/07 - 1:23 PM

ذلك ما يشعر به جزّاع تجاه المكان، وهي حقيقة صادقة لا يمكن الشك فيها، فكل شيء نقيسه على المكان الأول، اللحظة الأولى، اللقاء الأول، الانطباع الأول، لحظة النقاء والفطرة السليمة التي تغذت على كل شيء ينساب ببراءة دون تلوين للأشياء، لم نكن نعلم في تلك اللحظة بوجود ألوان متعددة في تذوق الحياة، بل لون واحد، وطعم واحد، وعالم واحد، وشعور واحد، فأنا اليوم أيضاً كذلك، أحن إلى المكان الأول، البيت، الشارع، المدينة، الوجوه، الأهل، الأصدقاء، بطعم اللقاء الأول لا بطعم اليوم، قد ألاقي اليوم البعض منهم ولكن لا بطعم الأمس، من يعيد لي طعم الأمس، شعور الأمس، ناس الأمس ...الخ؟، الأشياء لا تعود كما كانت فكل شيء قد تغير، وأشاطر الدكتور جزّاع وهيراقليطس الرأي، كل شيء خاضع لسلطان التغير، (إنك لا تنزل النهر الواحد مرتين، لأن مياهاً جديدة تجري من حولك أبداً)، كل شيء تغير في هذا العالم، حتى أنا وأنت، فأنا اليوم لست أنا بالأمس ولا أنت أنت، ينبغي أن ندرك هذه الحقيقة، وهذا ليس تناقضاً فينا بل هو حقيقة وواقع، ونحن لا ندرك ذلك في أنفسنا ولكننا ندركها في باقي الأشياء، والعلم يثبت تلك الحقيقة المطلقة التي تؤكد على تغير حالة الإنسان وحقيقته هذه، وجزّاع يحاول التشبث بالصورة الأولى للمكان، من خلال الذاكرة، وما تحدثه فيه من هزة ونشوة وطمأنينة، وهذا ما يلاحظه جزاع من علاقة حميمية يحدثها المكان في ذات الإنسان، (فالمكان الحميمي هو المكان الذي يمنحنا الإحساس بالأمان، والانتماء، والعودة إلى الذات). زخيخة. ص 18. و(المكان هنا يصبح مفتاحاً لفهم الذات، لا خلفية محايدة لها.) زخيخة. ص 20. و(المكان المكتوب ليس نسخة عن الواقع، بل نسخة عن أثره في النفس) زخيخة. ص20.   و(أن الكتابة عن المكان ليست ترفاً، بل ضرورة لفهم الذات.) زخيخة. ص 21. و(أن الكتابة عن المكان ليست وصفاً لما كان، بل كشفاً عما ظل يعمل فينا من دون أن ننتبه.) زخيخة. ص 26. هذا ما كان يبغيه جزّاع في (زَخيخة)، ليس استحضاراً للمكان، بل استذكاراً له واستحضاراً للشعور، وهذا ما نشعر به دائماً تجاه الأشياء، فقد يكون هناك اقتران شرطي بين ذكرى ما ومكان، وموقف وحال، ومقام ومقال، قد نشعر بلحظة سرور حين نستذكر الأشياء الجميلة، وقد نشعر بلحظة ألم حين نستذكر المواقف المحزنة، وقد نستحضر اللذة والألم حين نستذكر الأشياء، وهذا ما نعبر عنه بلحظة الاقتران الشرطي للأشياء. قد يصدق هذا الشيء في حين، وقد لا يصدق في حين آخر، فمرة جربت أن أعيد قراءة كتابٍ ما كان قد أمتعني في فترة مبكرة من عمري وأعجبتني نصوصه وأسلوبه، ولكن في فترة متأخرة حين أعدت قراءته لم يمنحني تلك القوة الأولى ويشد بصري وبصيرتي نحو الأشياء، ومرة أخرى زرت مكاناً كنت قد أحببته، فلم أشعر لحظة الشعور الأول ولم يخفق قلبي تجاهه، فقد لا يتكرر الشعور ولا يمكن إعادته مرة أخرى حين الاستذكار، وقد يظل البعض مشدوداً لمن يحب دون أن يعكر مزاجه أحد، ويلذ عيشه بالذكرى ويطيب بها خاطره، وقد يزول ذلك الخاطر وتلك المشاعر حين تذبل وتموت الذات لا المكان. جزّاع في (زخيخة) بين باشلار وموران: 
ليس من السهل على كاتب ما أن يؤسس لقاعدة تطبيقية وأن يتخذ معياراً علمياً له يبني عليه نصه أو عمله البحثي، ويضع أساساً فكرياً وفلسفياً يؤسس لعمله الفني أو الأدبي أو الفكري، ولكن الدكتور طه جزّاع استطاع بما يمتلك من أدوات معرفية وأدبية وفكرية أن يؤسس لمنهج ينطلق من خلاله لبناء نصه، اعتمد على أصول وقواعد منهجية لفيلسوفين فرنسيين مهمين من فلاسفة القرن العشرين، وعلى كتابين مهمين لهما صاغ من خلالهما كتابه، اعتمد أولاً على ما قدمه غاستون باشلار (1884ـ 1962)، في كتابه (جماليات المكان)، الكتاب الذي يجمع بين العلم والفلسفة والخيال والروح، واعتمد ثانياً على كتاب (في الجماليات)، لإدغار موران (1921ـ 2024)، الذي يجمع بين علم الاجتماع والفلسفة والواقع، وكان لكلا الفيلسوفين تأثيرٌ كبيرٌ على جزّاع في رسم وهندسة معاني ومباني نصه البحثي الفكري والأدبي والفلسفي الذي نحن بصدده. حيث أخذ جزّاع على نفسه أن يقرأ ويكتب (زخيخة) وفق تلك الجماليات التطبيقية، وهي منهجية جديدة ومستحدثة لم نألفها في البحث الفلسفي من قبل، تسجل لجزّاع في طريقته المبتكرة في كتابة نصه هذا، وهي تدل على براعة الكاتب في طريقته في الكتابة والبحث وخبرته الكبيرة في هذا المجال، وهذه الطريقة في التفكير والتعبير بحد ذاتها تمثل درساً مهماً في الكتابة ينبغي للكتّاب والباحثين استلهامه والسير عليه وسبر أغواره، لأنه يقدم لنا نصاً بحثياً رائداً له دلالات معرفية وجمالية وتاريخية ونفسية، ليس في أستطيقا المكان فحسب بل وفي أستطيقا النص وأستطيقا الذات أيضاً، من خلال بنيته وصياغته وأسلوب كتابته، وتحركاته العميقة في ذاكرة المكان، لينقلنا من زمان إلى زمان، ويخبرنا بما جال في خاطره وذاته، من مشاعر وعلاقة حميمة بين ماضيه وأمسه، وما يلقي بظلاله اليوم على حاضره وحياته، وهذا ما كان ليحصل لجزّاع لولا براعته في استحضار باشلار وموران، في جماليات كل منهما، ونظريتهما الجمالية، وتوظيف ذلك في بناء النص، يقول جزّاع: (ليس المكان، في تصور غاستون باشلار، امتداداً هندسياً محايداً، ولا إطاراً خارجياً تتحرك فيه الذوات ثم تغادره بلا أثر. المكان، على العكس من ذلك، هو كائن حميمي، يسكننا بقدر ما نسكنه، ويشارك في تشكيل وعينا الأول بالعالم. من هنا تبدأ جماليات المكان، لا من الخرائط، بل من الخيال، لا من القياس بل من التجربة المُعاشة.) زخيخة. ص 17.       يتبع


تابعنا على
تصميم وتطوير