رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حنّا مينه حين صار البحر ذاكرة للرواية العربية


المشاهدات 1117
تاريخ الإضافة 2026/09/06 - 8:35 PM
آخر تحديث 2026/09/07 - 1:24 PM

ثمة كتّاب يكتبون عن الأمكنة، وثمة كتّاب تسكنهم الأمكنة حتى يصبح المكان شريكاً في صناعة النص. وحين نصل إلى حنّا مينه، يصعب أن نتحدث عن البحر بوصفه مجرد خلفية جغرافية لرواياته؛ فالـبحر عنده شخصية أخرى، وذاكرة أخرى، ومصير آخر. إنه المكان الذي يتسع للحلم والخوف، للرزق والموت، للحرية والمنفى، وللإنسان وهو يواجه الطبيعة والمجتمع والقدر.
ولد حنّا مينه في اللاذقية عام 1924، وعاش طفولة وشباباً مثقلين بالفقر والعمل ومشقة الحياة. ولم تكن علاقته بالميناء والبحر علاقة قارئ يتأمل من بعيد، بل علاقة رجل عاش تفاصيل ذلك العالم واقترب من مهنه وناسه، وعرف الصيادين والبحارة والحمّالين والعمال. ولذلك حين دخل البحر إلى رواياته لم يدخل مصطنعاً أو مزخرفاً، وإنما دخل محمّلاً برائحة المكان وذاكرة التجربة.
وقد أسهمت هذه الخصوصية في أن يصبح اسم حنّا مينه واحداً من أكثر الأسماء التصاقاً بأدب البحر في الرواية العربية. وتشير دراسات نقدية إلى أن البحر عنده لم يكن موضوعاً ثابتاً في روايات بعينها فحسب، بل كان أحياناً محور الحدث، وأحياناً أخرى ثيمة مرافقة لصراعات الشخصيات ومصائرها. 
البحر ليس مكاناً... بل شخصية روائية
ما الذي جعل البحر عند حنّا مينه مختلفاً عن البحر في كثير من الكتابات العربية؟
ربما تكمن الإجابة في أن الكاتب لم ينظر إليه من شرفة رومانسية. لم يكن البحر عنده صورة شاعرية للصفاء، ولا خلفية للسفر والمغامرة وحدهما. كان البحر قاسياً بقدر ما كان جميلاً، غادراً بقدر ما كان كريماً، ومفتوحاً على الحرية بقدر ما كان مفتوحاً على الموت.
في هذا العالم المتناقض، وجد مينه المادة المثالية لرواية الإنسان.. البحّار الذي يخرج إلى البحر لا يذهب إليه بحثاً عن الجمال فقط، وإنما يذهب بحثاً عن الخبز أيضاً. والميناء ليس مكاناً للسفن وحدها، بل فضاء للفقر والعمل والعلاقات والصراع. والسفينة ليست وسيلة نقل، وإنما بيت مؤقت، وذاكرة، ومجال لاختبار الرجولة والصبر والشجاعة. ولهذا تبدو روايات مينه البحرية أقرب إلى مختبر إنساني كبير،  فالعاصفة تكشف حقيقة الشخصية، والخوف يكشف معدن الإنسان، والفقر يكشف العلاقات، والبحر يضع الجميع أمام السؤال القديم: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح مصيره معلقاً بين يديه وبين قوى أكبر منه؟
حنّا مينه... ابن التجربة قبل أن يكون ابن المكتبة
تكمن أهمية تجربة مينه في أن معرفته بالعالم الذي كتب عنه لم تكن معرفة نظرية. لقد عمل في مهن شاقة، وعرف الميناء والحياة الشعبية عن قرب، قبل أن تتحول التجربة إلى مادة أدبية.
وهنا يمكن فهم سر تلك التفاصيل التي تمنح رواياته ملمساً واقعياً واضحاً. فهو لا يكتب عن البحّار باعتباره شخصية متخيلة فحسب، بل يستعيد شيئاً من الإنسان الذي عرفه في حياته، ويعيد تشكيله داخل الرواية.
وقد ساعدته هذه الخبرة على بناء شخصيات لا تبدو مسطحة أو بعيدة عن الحياة.. إنهم رجال ونساء لهم أخطاؤهم وشهواتهم ومخاوفهم وأحلامهم، لكنهم في اللحظة الحاسمة يجدون أنفسهم أمام امتحان الكرامة.
ومن هنا يصبح الفقر عند مينه أكثر من حالة اقتصادية؛ إنه امتحان للإنسان. والعمل أكثر من وسيلة للحصول على المال؛ إنه جزء من تكوين الشخصية. والبحر أكثر من جغرافيا؛ إنه امتحان دائم للوجود.
الشراع والعاصفة... حين يفقد البحّار البحر
إذا كان ثمة عمل روائي ارتبط بصورة حنّا مينه البحرية على نحو استثنائي، فهي رواية «الشراع والعاصفة»، صدرت الرواية عام 1966، وأصبحت لاحقاً من أبرز الأعمال التي رسخت حضور أدب البحر في الرواية العربية. وتقدم شخصية الطروسي بوصفها نموذجاً للبحار الذي يجد نفسه في مواجهة البحر والطبيعة والظروف الاجتماعية والتاريخية. وتصف دار الآداب الرواية بأنها صدرت عام 1966 في 364 صفحة. 
لكن أهمية الرواية لا تكمن في كونها رواية عن بحار وعاصفة فحسب.
المفارقة الأشد جمالاً أن الطروسي يصبح بحّاراً بلا بحر. يفقد مركبه، ويضطر إلى العيش على اليابسة، فيما يظل البحر أمامه كأنه وطن لا يستطيع العودة إليه.. وهنا يتحول البحر من مكان إلى حالة نفسية.
إنه الحلم الذي يبتعد كلما اقترب منه الإنسان، والذاكرة التي لا يستطيع التخلص منها. ومن خلال هذه المفارقة استطاع مينه أن يمنح البحر وظيفة روائية تتجاوز الوصف إلى صناعة الصراع الداخلي.
وقد رأت قراءات نقدية أن الشراع والعاصفة تجمع بين البعد البحري والبعد الاجتماعي والتاريخي، إذ تدور أحداثها في مدينة ساحلية سورية خلال الحرب العالمية الثانية، في ظل الاحتلال الفرنسي، لكنها تبقى قبل كل شيء حكاية الإنسان في مواجهة الطبيعة والمصير. 
الياطر ... البحر بوصفه ذاكرة
في  الياطر يواصل حنّا مينه مغامرته مع البحر، لكن البحر هنا يأخذ وظيفة مختلفة، إذ لا يعود مجرد فضاء للعمل والمواجهة، بل يصبح مخزناً للذاكرة. الشخصية التي تنأى بنفسها عن الناس تجد في البحر شيئاً من الماضي الذي لا تستطيع التخلص منه.
وهذه واحدة من أكثر سمات عالم مينه إثارة للاهتمام: شخصياته قد تهرب من المكان، لكنها لا تستطيع الهروب من الذاكرة، فالماضي عنده ليس زمناً منتهياً، وإنما قوة تستمر في تشكيل الحاضر.
البحر، في هذه الحالة، يصبح مثل مرآة كبيرة؛ كلما نظر الإنسان إليه رأى نفسه، ورأى ماضيه، ورأى ما فقده، ومن هنا يمكن القول إن مينه لم يكتب البحر بقدر ما كتب الإنسان الذي يسكن البحر، أو الإنسان الذي يبحث عن نفسه فيه.
حكاية بحّار  و الدقل  و المرفأ البعيد ... البحر بوصفه إرثاً
في ثلاثيته التي تبدأ بـ حكاية بحّار  وتستمر في  الدقل  والمرفأ البعيد ، ينتقل البحر إلى مستوى آخر؛ مستوى العلاقة بين الأجيال.
هنا لا يعود الأمر متعلقاً ببحار واحد، وإنما بسيرة عائلة وذاكرة أب تنتقل إلى الابن.. وهذا التحول مهم فنياً، لأنه يجعل البحر أشبه بإرث عائلي. الأب يترك للابن ليس سفينة فقط، بل صورة كاملة عن الرجولة والشجاعة والوفاء والكرامة.
من أبرز ما يميز عالم مينه لغته التي تتأرجح بين الواقعية والشاعرية.. فهو يستطيع أن يصف حركة الموج كما لو كان رساماً، ثم ينتقل فجأة إلى حوار شعبي شديد البساطة.
وهذا التداخل بين اللغة الأدبية واللغة اليومية يمنح نصوصه حرارة خاصة.
والبحر يحتاج إلى قاموسه، ومينه امتلك هذا القاموس. الشراع والدقل والمرفأ والسفينة والمجداف والعاصفة ليست مجرد مفردات تقنية، وإنما أصبحت داخل رواياته مفردات إنسانية.
حتى العاصفة نفسها تصبح لغة.. فالريح ليست ريحاً فقط، وإنما قوة تهدد الإنسان. والموج ليس موجاً فقط، وإنما امتحان. والمرفأ ليس مكاناً للرسو، وإنما نقطة بين الرحيل والعودة 
وهكذا ينجح مينه في تحويل المفردة البحرية إلى علامة روائية.
حنّا مينه يكتب عن البحر، لكنه في العمق كان يكتب عن الإنسان.. ولهذا بقي البحر في رواياته أوسع من جغرافيته، وبقيت العاصفة أكثر من ظاهرة طبيعية، وبقي الشراع رمزاً لإرادة الإنسان في أن يمضي، حتى حين لا يعرف إلى أي مرفأ سيصل.
وهكذا، لم يترك حنّا مينه للرواية العربية حكايات عن البحارة فحسب، بل ترك لها بحراً كاملاً؛ بحراً يمكن للقارئ أن يرى فيه الفقر والحب والموت والكرامة والذاكرة، وأن يرى، قبل كل شيء، وجه الإنسان وهو يقاوم الغرق.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير