رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
هل الفيس يكذب ؟!


المشاهدات 1085
تاريخ الإضافة 2026/09/05 - 10:47 PM
آخر تحديث 2026/09/06 - 12:59 PM

صديقنا كان يتجول في السوق، فإذا به يلتقي صديقه وجهاً لوجه. اقترب منه، تأمل ملامحه، ثم صاح بدهشة:  ها شنو؟ جا إنت مو ميت؟   أجابه الرجل ضاحكاً: عمي أني عدل كدامك هسه! . لكن صاحبه لم يتراجع عن قناعته وقال بثقة:  والله الي كلي ما يجذب! . هكذا أصبحت الحقيقة أمام أعيننا تحتاج إلى إثبات، بينما الخبر المجهول يكفيه منشور وصورة وعشرات التعليقات حتى يحصل على «شهادة صدق « شعبية.
هذه الواقعة الساخرة تختصر أزمة أكبر نعيشها اليوم. منصات التواصل الاجتماعي دخلت تفاصيل حياتنا حتى أصبحت لدى البعض مصدراً أولياً للأخبار، وأحياناً مصدراً وحيداً. كثرة المتابعين والمشاركات تحولت إلى معيار للمصداقية، وأصبح السؤال «من نشر الخبر؟ « أقل حضوراً من سؤال « كم واحد شافه؟ « . 
الأمر أخطر عندما يتعلق بالسياسة. صفحات وحسابات تستثمر الأخبار والتسريبات غير الموثوقة لإثارة الجمهور وتصفية الحسابات ونشر البغضاء واستهداف الخصوم. خبر سياسي بلا مصدر قد يتحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام، وقد تترتب عليه إساءة لشخص أو مؤسسة أو جهة، بينما يختبئ ناشره خلف اسم مستعار وحساب وهمي.
والاقتصاد له حصته من هذه الفوضى. معلومة غير دقيقة عن سعر سلعة، أو مصرف، أو عملة، أو أزمة مالية، قد تدفع الناس إلى قرارات مرتبكة وتزيد القلق داخل السوق. وحين تتحول الشائعة الاقتصادية إلى أداة متعمدة لزعزعة السوق، فإن المسألة تتجاوز حرية النشر وتقترب من قضية تمس الأمن الاقتصادي والمصلحة العامة. أما التشهير والابتزاز ونشر صور الضحايا وأخبار الحوادث، فهنا تتحول الشاشة الصغيرة إلى أداة أذى حقيقية. عوائل دفعت ثمناً باهظاً بسبب منشور أو صورة أو مقطع جرى تداوله بلا مسؤولية. وقد يكون الضرر أكبر من قدرة الضحية على إصلاحه، لأن ما ينتشر رقمياً يصعب محوه من ذاكرة الناس. ومع الذكاء الاصطناعي دخلنا مرحلة أكثر تعقيداً ، إذ أصبح إنتاج صورة أو تسجيل صوتي أو مقطع مزيف أمراً أكثر سهولة. المشكلة لا تكمن بالتقنية نفسها، فقد تكون أداة عظيمة في التعليم والإعلام والعمل، إنما في استخدامها بطريقة سيئة وغير منصفة وغير أخلاقية للتضليل والتشهير والابتزاز وصناعة الأكاذيب.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن مواقع التواصل ليست شراً مطلقاً. فقد قربت المسافات، وساعدت في نشر المعرفة، ودعمت الأعمال والمشروعات، ومنحت المواطن مساحة للتعبير والوصول إلى المعلومة. الخلل يرتبط بطريقة الاستخدام، وبمستوى الوعي، وبقدرة المجتمع والمؤسسات على التعامل مع الفضاء الرقمي بنضج.
وهنا يأتي السؤال الأصعب: أين الدولة؟ وأين الأجهزة الأمنية؟ وأين القانون؟  المطلوب ليس إسكات الناس، ولا تحويل الرقابة إلى وصاية على الآراء ، المطلوب بناء منظومة قانونية وتقنية تلاحق الحسابات التي تمارس الابتزاز والتشهير والتحريض والتزييف المتعمد، وتتعامل مع الأخبار التي تهدد السلم الأهلي أو الأمن الاقتصادي وفق القانون والأدلة. كما تحتاج المؤسسات الرسمية إلى إعلام سريع وشفاف يرد على الشائعة قبل أن تتحول إلى «حقيقة « في أذهان الناس.
أما نحن، فعلينا أن نتعلم قاعدة بسيطة: لا تصدق لأن الخبر انتشر، ولا تكذب لأنك لا تحبه.
 تحقق من المصدر، قارن المعلومات، انتظر البيان الرسمي، وفكر قبل أن تضغط زر المشاركة.
فربما يأتيك غداً خبر عاجل يقول: «فلان مات « .
 لا تستعجل نشر النعي… اتصل به أولاً، فقد يجيبك ضاحكاً: ((عمي أني كدامك هسه! )) .


تابعنا على
تصميم وتطوير