
لم يعد الخطر الحقيقي في عصرنا مقتصرًا على الجهل التقليدي، فقد ظهر نوع أكثر تعقيدًا وخداعًا يمكن تسميته بـ«الوعي الوهمي»، وهو الشعور الزائف بالمعرفة الذي يجعل الإنسان يعتقد أنه يفهم كل شيء، بينما هو في الحقيقة يستهلك كميات هائلة المعلومات السطحية من التيك توك والفيس بوك والواتس اب من دون قدرة حقيقية على التحليل أو الفهم العميق.. لقد منحت وسائل التواصل الحديثة الجميع فرصة الكلام، وهي ميزة مهمة، لكنها فتحت في الوقت نفسه الباب أمام تضخم الآراء السريعة والانفعالية. فأصبح بعض الناس يخلطون بين امتلاك منصة إلكترونية وامتلاك الوعي، وبين كثرة المتابعين وصحة الأفكار، حتى تحولت الشهرة عند البعض إلى بديل عن المعرفة.
ولم يعد الإنسان بحاجة إلى سنوات من القراءة والتجربة والتأمل حتى يُنظر إليه بوصفه مثقفًا أو مؤثرًا، فقد يكفي أحيانًا أن يجيد إثارة الجدل، أو استخدام الشعارات الرنانة، أو مخاطبة مخاوف الجمهور وغضبه. وهنا يصبح الاستعراض أكثر حضورًا من المعرفة، والصوت الأعلى أكثر تأثيرًا من الرأي الأكثر عمقًا.
ينتشر الوعي الوهمي في النقاشات التي تعتمد على الصراخ بدل الحجة، وفي تحويل القضايا المعقدة إلى عبارات مختصرة تصلح للنشر السريع، وفي حالة اليقين المطلق التي يتحدث بها أشخاص لم يقرأوا سوى العناوين. والأسوأ أن بعض الناس باتوا يرفضون الفكرة العميقة لأنها تحتاج إلى وقت للتفكير، وينجذبون إلى الخطاب السهل الذي يمنحهم شعورًا سريعًا بالتفوق.ومن أخطر مظاهر هذه الظاهرة أن كثيرًا من المجتمعات أصبحت تعيش استقطابًا حادًا، إذ لا يبحث الناس دائمًا عن الحقيقة، بل عمن يؤكد قناعاتهم المسبقة.. وهكذا تتحول المعرفة من وسيلة لفهم الواقع إلى أداة للانتصار في الجدال.
وقد أدرك سقراط خطورة ادعاء المعرفة، فجعل الاعتراف بحدودها بداية للحكمة. أما الوعي الوهمي فيقوم على النقيض تمامًا: الثقة المطلقة، ورفض المراجعة، والخوف من الاعتراف بالخطأ.
وفي عراق اليوم تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا مع تداخل السياسة والدين والإعلام والمصالح الاقتصادية، وظهور «نخب صوتية» تمتلك قدرة كبيرة على التأثير رغم هشاشة الطرح وضعف العمق الفكري. وقد يصل الأمر إلى مهاجمة كل صوت نقدي أو عقلاني لأنه يهدد أفكارًا اعتادها الناس وتحولت لديهم إلى مسلّمات.
إن الإنسان الواعي حقًا ليس من يملك إجابة عن كل شيء، بل من يمتلك القدرة على السؤال، ومراجعة أفكاره، والاعتراف بأن الحقيقة أوسع من رأيه الشخصي. أما الوعي الوهمي فيصنع أفرادًا يبدون شديدي الثقة، لكنهم يصبحون أسرى لفقاعاتهم الفكرية.
ولعل أخطر ما في الظاهرة أنها لا تضر الفرد وحده، بل تهدد المجتمع، فعندما يصبح الصوت المرتفع أهم من الرأي الصحيح، وتتحول الثقافة إلى استعراض، يصبح تمرير الأكاذيب وتزييف الوعي وصناعة الأبطال من فراغ أمرًا سهلًا.لذلك، فإن معركتنا اليوم ليست ضد الجهل وحده، بل ضد وهم المعرفة أيضًا. فالوعي الحقيقي لا يصنعه الضجيج، بل التفكير الهادئ، والقراءة العميقة، والقدرة على الشك، والشجاعة في مراجعة الذات قبل محاسبة الآخرين.