رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الصحافة وفخاخ اللغة


المشاهدات 1080
تاريخ الإضافة 2026/08/31 - 1:09 AM
آخر تحديث 2026/08/31 - 8:09 AM

كان المصحح اللغوي، في الصحف التي عرفناها وعملنا فيها زمناً طويلاً، واحداً من الجنود المجهولين في غرفة التحرير، فهو يقرأ الخبر بعد المحرر، ويعيد النظر في العنوان، ويضع خطاً أحمر تحت كلمة هنا، ويصحح حرف جر هناك، وربما أعاد الجملة كلها إلى كاتبها، ولم يكن الصحفي، مهما بلغت خبرته، يجد في ذلك انتقاصاً من قدره، بل كان يعرف أن للنص، قبل أن يصل إلى القارئ، أكثر من عين تحرسه، وأن فخاخ اللغة أكثر من أن تعد أو تحصى!.
تذكرت ذلك وأنا أقرأ كتاب « سقطات صحفية.. رصد وتقويم» للزميل مهند النعيمي، وهو كتاب لا يريد صاحبه أن يضيف كتاباً جديداً إلى رفوف النحو والصرف، بقدر ما يحاول أن يعيد اللغة إلى غرفة الأخبار، بعد أن كادت سرعة النشر تخرجها منها. فالخطأ اللغوي، كما يرى المؤلف، لم يعد زلة عابرة، بل صار جزءاً من المشهد اليومي، حتى غدا الشيوع، في حالات كثيرة، أقوى من الصواب. وميزة هذا الكتاب أنه يذهب مباشرةً إلى ما نقرأه ونسمعه كل يوم في الصحف والفضائيات ومواقع التواصل، فيناقش أخطاء حروف الجر، وتعدية الأفعال، والهمزات، والأفعال المعتلة، والممنوع من الصرف، وغيرها من المزالق التي يقع فيها الكاتب والصحفي من دون أن ينتبه إليها، وهو لا يكتفي بأن يقول لك: هذا خطأ وهذا صواب، بل يحاول أن يفسر لماذا أخطأنا، وكيف تسلل الخطأ إلى الاستعمال حتى استقر فيه.
ومن الموضوعات التي يتوقف عندها طويلاً قضية تأنيث المناصب، هل نقول الوزيرة والمديرة والنائبة، أم الوزير والمدير والنائب حين تكون صاحبة المنصب امرأة؟ وهي قضية تبدو صغيرة، لكنها تكشف، كما يعرض الكتاب، عن صلة اللغة بالمجتمع وتحولاته، ويستند في مناقشتها إلى القياس اللغوي وقرارات المجامع العربية. ويتوقف أيضاً عند تلك الحروف الصغيرة التي قد تقلب المعنى أو تضعفه. 
أعادني كتاب النعيمي إلى ذكريات أول الطريق، يوم دخلنا الصحافة شباناً نظن أننا نحسن الكتابة، فاكتشفنا أنه لا يزال أمامنا الكثير لنتعلمه من قواعد وأصول اللغة السليمة، وكان المصححون اللغويون أساتذتنا الصامتين الذين قوّموا لغتنا من دون ضجيج، ونبّهونا إلى أخطائنا، وعلّمونا، مع الأيام، أن للكلمة ميزاناً، وأن للحرف موضعاً لا يجوز أن يختل. لقد تعلمنا منهم طوال سنوات العمل الصحفي أكثر مما تعلمناه من كتب كثيرة، وما زلنا، كلما دار الحديث عن الصحافة التي عرفناها، نستعيد أسماءهم واحداً واحداً، ونذكر أقلامهم الحمراء، وملاحظاتهم التي كانت تزعجنا أحياناً، ثم اكتشفنا أنها كانت تصنع منا صحفيين أفضل. لقد رحل بعضهم، وغاب بعضهم الآخر عن غرف التحرير، لكن شيئاً منهم بقي في لغتنا، وربما كان أجمل وفاء لهم أن نتوقف، قبل أن نرسل ما نكتب إلى القارئ، ونسأل أنفسنا: ماذا كان سيقول المصحح لو مر قلمه الأحمر من هنا؟.


تابعنا على
تصميم وتطوير