رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
خلف الشاشة !!


المشاهدات 1102
تاريخ الإضافة 2026/08/29 - 9:32 PM
آخر تحديث 2026/08/30 - 7:54 AM

وسط ضوء الشاشات تولد يومياً حياة اجتماعية موازية، تتداخل فيها الأصوات والأفكار والمواقف، ويجلس الجميع في مساحة واحدة رغم اختلاف الأعمار والثقافات والتعليم ومستويات الوعي والنضج. عالم رقمي لا يحتاج إلى أبواب ولا مواعيد، يكفي فيه حساب وصورة وكلمات حتى يصبح الإنسان حاضراً في حياة الآخرين. هناك من يدخل بحثاً عن المعرفة، وآخر للتواصل وتبادل الأخبار، وثالث لمتابعة الأحداث واكتشاف ثقافات العالم، فيما يجد آخرون في هذه المساحة منفذاً للتعبير عن غضب مكبوت أو رغبة في الانتقام أو إثبات حضور فقدوه في الواقع.
وسائل التواصل الاجتماعي منحت الإنسان فرصة واسعة للتفاعل، لكنها كشفت كذلك تفاوتاً كبيراً في طريقة استخدام هذه المساحة. الخبر قد يصل خلال ثوانٍ، والرأي قد ينتشر بين آلاف المتابعين، والمعلومة قد تكون دقيقة أو مضللة، وقد يتحول المحتوى إلى مادة للإثارة واستقطاب الجمهور. لذلك يصبح الوعي مسؤولية فردية، لأن إعادة النشر والتعليق والمشاركة مواقف تحمل أثراً يتجاوز صاحب الحساب.
الشخصية الافتراضية تظل واحدة من أكثر الظواهر إثارة للتأمل. بعض الأشخاص يظهرون عبر المنصات بصورة المثقف الرصين والمؤثر الواعي، ثم يكشف اللقاء الواقعي اختلافاً واضحاً في الشخصية والسلوك وطريقة الحوار. وقد يحدث العكس، فنحكم على شخص من خلال حضور رقمي محدود، ثم نكتشف عند اللقاء أنه أكثر ثقافة واتزاناً وتهذيباً. لذلك لا ينبغي أن يكون عدد المتابعين أو قوة الحضور الإلكتروني معياراً للحكم على قيمة الإنسان.
الأكثر إثارة للقلق شخصيات مأزومة تتعامل مع المنصات باعتبارها مساحة للتفريغ النفسي، وإظهار عقد النقص، وتصفية الحسابات، وممارسة الانتقام من الآخرين خوفاً من المواجهة المباشرة. صاحب هذا السلوك قد يجد في الشاشة حاجزاً آمناً يختبئ خلفه، فيطلق عبارات جارحة أو يسخر من الآخرين أو يمارس التنمر والتسقيط الاجتماعي، من دون معرفة حقيقية بالموضوع أو بصاحب المنشور. وقد تتحول اللغة إلى ألفاظ سوقية وهجوم شخصي واستفزاز متعمد، وكأن المنصة أصبحت بديلاً عن مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين.. المشكلة أن هذا النوع من المحتوى يحظى أحياناً بتفاعل واسع، فيجد صاحبه تشجيعاً غير مباشر على الاستمرار. وهنا تقع مسؤولية المتابع أيضاً، فالتفاعل مع الإساءة يمنحها عمراً جديداً، بينما تجاهلها وإلغاء متابعة الحسابات المسيئة والمحرضة يمكن أن يكون موقفاً أكثر وعياً من الدخول في سجال لا ينتج معرفة ولا احتراماً.
في الجانب الآخر، ما زالت هناك نماذج رقمية مشرقة تؤمن بالحوار، وتحترم اختلاف الآراء، وتقدم محتوى نافعاً، وتتعامل مع المعرفة باعتبارها مسؤولية. تلك النماذج تؤكد أن المشكلة ليست في المنصة، وإنما في الطريقة التي يختار الإنسان أن يكون بها داخلها.
ويبقى السؤال: هل تكشف مواقع التواصل حقيقة شخصياتنا، أم تمنحنا مساحة لصناعة شخصيات نرغب أن يراها الآخرون؟ وهل أصبح بعضنا شجاعاً خلف الشاشة، لأنه عاجز عن المواجهة خارجها؟ وعندما يصبح الصمت تجاه الإساءة موقفاً واعياً، هل نستطيع فعلاً أن نغادر ثقافة التنمر والتسقيط، أم أننا سنواصل منحها المشاهدات التي تحتاج إليها كي تبقى حية؟


تابعنا على
تصميم وتطوير