
الرياض/متابعة الزوراء
يوم الرابع والعشرين من أغسطس 2026، خرجت من مطابع مؤسسة اليمامة الصحفية النسخة الورقية الأخيرة من جريدة «الرياض» ومجلة «اليمامة».. لم يكن اليوم مجرد موعد إداري أو قرار تشغيلي عابر، بل لحظة فارقة في تاريخ الصحافة السعودية. بعد مسيرة امتدت لأكثر من ستة عقود للجريدة اليومية، وأكثر من سبعة عقود للمجلة الثقافية، أُسدل الستار على الورق ليبدأ فصل يعتمد كلياً على الشاشة والمنصات الرقمية.
وأعلنت مؤسسة اليمامة الصحفية القرار بوضوح: النسخة الصادرة في ذلك اليوم هي الأخيرة التي تصل إلى المشتركين ورقياً، وستستمر الإصدارات بعد ذلك رقمياً عبر الهواتف والأجهزة اللوحية بصيغة بي.دي.إف إلى جانب المواقع الإلكترونية والمنصات التفاعلية.
وكما لخص مدير عام المؤسسة خالد الفهد العريفي الأمر «هل نحافظ على الوسيلة، أم نحافظ على الرياض واليمامة؟» فاختارت المؤسسة البقاء والنمو، والذهاب بالمحتوى إلى حيث أصبح القارئ.
وتأسست جريدة «الرياض» في الأول من مايو 1965. بدأت من حي المرقب بعدد محدود من الصفحات، ثم انتقلت إلى حي الملز، واستقرت أخيراً في مقر المؤسسة بحي الصحافة. رافقت الصحيفة تحولات المملكة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية على مدى أكثر من ستين عاماً، ووثقت مراحل البناء والتنمية، وساهمت في تشكيل الرأي العام المحلي.
أما مجلة «اليمامة»، فسبقتها بسنوات، مرتبطة بتاريخ الشيخ حمد الجاسر وبداية الطباعة في الرياض، واحتفلت في يونيو 2026 بمرور 75 عاماً على تأسيسها بعدد خاص استعاد مسيرتها.
وبم يأت القرار من فراغ. صناعات الصحافة حول العالم تشهد انحساراً متسارعاً في النموذج الورقي. ارتفاع تكاليف الورق والأحبار والطباعة والتوزيع، وتراجع الإعلانات المطبوعة، وتغير عادات القراء الذين باتوا يفضلون السرعة والتفاعل والمحتوى المتجدد على الشاشات، كلها عوامل جعلت استمرار الطباعة اليومية غير مجدٍ اقتصادياً في السوق السعودي.
وما حدث لـ»الرياض» و»اليمامة» ليس استثناءً محلياً، بل جزءاً من مسار عالمي طال كبريات الصحف في أوروبا وأميركا وآسيا.
وفي السعودية، أصبح النموذج الورقي أقرب إلى الاستحالة الاقتصادية، كما أشارت تحليلات صحفية محلية. لكن التوقف عن الطباعة لا يعني نهاية الصحافة.
ويقول مراقبون إن «العكس صحيح. وهو اختبار لقدرة المؤسسات العريقة على التكيف. الورق كان وسيطاً، أما الصحافة فقيمة ومصداقية ومحتوى».
ويفتح الانتقال إلى الرقمي أبواباً أوسع: وصول أسرع إلى جمهور أكبر داخل المملكة وخارجها، إمكانية استخدام الوسائط المتعددة والفيديو والبودكاست والذكاء الاصطناعي في التحليل والتخصيص، وخفض التكاليف التشغيلية بما يسمح بإعادة الاستثمار في الجودة التحريرية والكوادر.
ويكمن التحدي الحقيقي في كيفية الحفاظ على الهوية التحريرية والثقة المتراكمة عبر عقود، في بيئة رقمية تحكمها الخوارزميات واقتصاد الانتباه والمنافسة الشرسة من المنصات الاجتماعية والمواقع الإخبارية السريعة.
ويقول مراقبون إن مجرد تحويل الصفحات إلى ملفات بي.دي.إف ليس تحولاً كاملاً. المطلوب هو إعادة ابتكار التجربة الصحفية: محتوى أعمق، تفاعل حقيقي مع القارئ، نماذج أعمال مستدامة تعتمد على الاشتراكات الرقمية والرعاية الذكية، وليس على الإعلان الورقي التقليدي وحده.
كثيرون رأوا في القرار نهاية عصر، وبعضهم عبر عن أسفه لغياب الرفوف الورقية من المتاجر. لكن التاريخ يذكر أن الصحافة لم تمت عندما انتقلت من المخطوطات إلى المطبعة، ولن تموت عندما تنتقل من المطبعة إلى الشاشة.
وكما كتب رئيس تحرير «الرياض» هاني وفا في العدد الأخير الذي حمل الرقم 21169 «طويت الصحف وبقي القلم»، واستعاد محطات المسيرة ووثق الأرشيف والشخصيات التي ساهمت فيها.
ويعكس هذا التحول أيضاً واقع المجتمع السعودي نفسه. فرؤية 2030 والتحول الرقمي الشامل في الاقتصاد والخدمات والتعليم والإعلام يجعل الاعتماد على الوسائط الحديثة أمراً منطقياً. الشباب، وهم غالبية السكان، يستهلكون الأخبار عبر الهواتف. المؤسسات الإعلامية التي تتأخر عن هذا الواقع تخاطر بالانقطاع عن جمهورها المستقبلي.
وفي الوقت نفسه، يفتح القرار نقاشاً أوسع حول مستقبل بقية الصحف السعودية. هل ستتبعها قريباً؟ وهل سيؤدي ذلك إلى تركيز أكبر على الجودة أم إلى مزيد من الضغوط على غرف الأخبار؟ الإجابة تعتمد على قدرة كل مؤسسة على بناء نموذج رقمي قوي يحمي المهنة ويحترم القارئ.وفي هذا السياق يعتبر صحفيون أن «يوم 24 أغسطس 2026 لم يكن نهاية. كان نقطة تحول. توقفت الآلات عن الدوران في مطابع اليمامة، لكن الأسماء بقيت، والرسالة مستمرة، والثقة التي بنيت على مدى عقود يمكن أن تنتقل إلى الشاشات إذا أحسن استثمارها».
ولم تودع «الرياض» و»اليمامة» الصحافة، بل ودعتا وسيطاً قديماً ودخلتا عصر الوسيلة الجديدة. في زمن السرعة والتغير، يبقى المعيار الحقيقي ليس شكل الورق أو الشاشة، بل قدرة المحتوى على أن يكون موثوقاً ومفيداً ومؤثراً.
(عن/صحيفة العرب)