
في زوايا بغداد القديمة كانت المقاهي أكثر من مكان لاحتساء الشاي وتدخين النرجيلة، فقد كانت ذاكرة حيّة للمدينة وملتقى لأهلها بمختلف شرائحهم، ففي مقهى إبراهيم عرب في الكسرة كان صوت الدومينو يمتزج بأحاديث الناس وضحكات الشباب بينما تتعالى من التلفاز أصوات الأخبار وتفوح رائحة الشاي والمعسل .
عرفت بغداد المقاهي منذ عصور بعيدة، ويذكر الباحثون أن من أقدمها مقهى خان جغان الذي شيد عام 1590 ثم ظهرت مقاه أخرى ارتبطت بالحياة الشعبية والفنية مثل قهوة الشط التي كانت تطل على دجلة وتستقبل عشاق الغناء التراثي والحكايات الشعبية ورواة قصص عنترة بن شداد وأبي زيد الهلالي، ولاسيما في ليالي رمضان. وفي شارع الرشيد ومناطق بغداد القديمة اشتهرت مقاه عديدة مثل عارف آغا والبرازيلية والسويس والزهاوي وحسن عجمي والشهبندر وأم كلثوم وكانت مقار للقاء الأدباء والمفكرين والفنانين والقضاة والمحامين وأهل المهن المختلفة، وشهدت أحاديث سياسية وأدبية وأسهمت في تشكيل الذاكرة الثقافية للمدينة.
كما احتضنت بعض المقاهي المقام العراقي بأصوات كبار المنشدين مثل يوسف عمر وعبد القادر حسون والقندرجي والقبنجي فكانت مجالسها تجمع البغداديين وتمنحهم شعورا بالمحبة والتآلف والمساواة.
لكن الزمن تغير وتبدلت أحوال المدينة واختفت مقاه كثيرة لتحل محلها الكوفيات الحديثة وقاعات البلياردو والكافتيريات، ومع ذلك بقيت المقاهي القديمة في ذاكرة البغداديين رمزا لزمن جميل كانت فيه بغداد تجلس إلى نفسها وتشرب الشاي وتصغي إلى الغناء والحكايات وتحتفظ بملامحها الشعبية الأصيلة.