
كلما تفرجنا على مسلسل تركي تطرح حفيدتي عشرات الاسئلة وتحاصرني ببعضها حد الاختناق فنحن لم نعش بحرية ما نراه على الشاشة الآن ولم نخرج عن المألوف.. هذه الاسئلة تحتاج الى اجابات وبقيت في دوامة السؤال والجواب المقنع، فمن العيب ان اكون في هذا السن ولا اجد حوابا مفيدا مقنعا لها، وهذا ما دفعني لكتابة هذا العمود، فلا تعد المسلسلات التركية مجرد أعمال درامية للترفيه وتمضية الوقت، بل تحولت إلى مادة يومية حاضرة في كثير من البيوت العربية، حتى بات تأثيرها في الذائقة الاجتماعية والسلوك والقيم يستحق وقفة جادة. والمشكلة ليست في الدراما التركية بوصفها صناعة فنية، وإنما في نوعية ما يُستورد ويُعرض بكثافة، وما يحمله أحياناً من رسائل تتناقض مع منظومة القيم التي نشأت عليها مجتمعاتنا.
في بعض هذه المسلسلات، تُقدَّم العلاقات المحرمة والخيانة والعلاقات خارج إطار الزواج باعتبارها تفاصيل طبيعية في الحياة، وتظهر نتائجها من أطفال يولدون خارج مؤسسة الأسرة، ثم يجري التعامل مع الأمر وكأنه شأن عادي لا يستحق التوقف عنده. ومع التكرار، قد يتحول الاستثناء في الوعي إلى قاعدة، وما كان مرفوضاً بالأمس يصبح مألوفاً اليوم.
الأكثر خطورة هو عالم العصابات والمافيات، حيث تُرتكب جرائم القتل بصورة شبه يومية، وتدور معارك لا تنتهي، وكأن الدولة غائبة والقانون لا وجود له. والأسوأ أن القاتل قد يتحول إلى شخصية محبوبة ومثيرة للإعجاب، فقط لأنه يظهر رومانسياً أمام امرأة يحبها!، وهنا تختلط البطولة بالإجرام، ويُجمَّل العنف تحت غطاء الحب والوفاء، فيصبح المجرم نموذجاً يُقتدى به بدلاً من أن يكون مثالاً للعقاب والردع.
أما الفضائيات العربية، فتتسابق بصورة محمومة على شراء هذه الأعمال، حتى يخال المشاهد أن لا دراما في العالم تستحق العرض سواها. وهنا يحق لنا أن نسأل: هل الأمر مجرد تجارة ونجاح جماهيري، أم أن هناك جهات تستفيد من تكريس هذه المضامين؟ وهل نبالغ حين نتساءل عن أثرها في إحداث فجوة بين الأجيال، وإضعاف سلطة الأسرة، وتغيير النظرة إلى العادات والتقاليد والقيم الدينية؟
ليس المطلوب إغلاق الأبواب أمام الفن الأجنبي، ولا فرض الوصاية على المشاهد، وإنما ممارسة نقد واعٍ ومسؤولية إعلامية حقيقية. فالإعلام الذي يدخل كل بيت قادر على أن يصنع الذوق كما يستطيع أن يغيره.
المشكلة ليست في مسلسل واحد، بل في التكرار الذي يحوّل الخطأ إلى عادة، والجريمة إلى بطولة، والانحراف إلى أمر اعتيادي. وحين يحدث ذلك طويلاً، علينا ألا نتساءل فقط: ماذا نشاهد؟ بل أيضاً: ماذا نصبح بعد أن نشاهد؟!.