رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
ورع الفقيه وسوسيولوجيا الهزيمة وسرديات البطولة في نقد الوردي لثورة العشرين


المشاهدات 1069
تاريخ الإضافة 2026/08/23 - 8:53 PM
آخر تحديث 2026/08/24 - 12:53 AM

 قد تكونُ الحقيقةُ  الصَّادمةُ على الرّغمِ من قساوتها المُرّة و إيلامِها أكثرَ نبلاً  من أساطير الجماعات ولا سيما أساطير الثَّورة وبطولات الشّعوب وانتفاضاتها ضد المستعمرين والطّغاة لأنها تعرّي الأوهامَ الزائفة وتطيحُ بالعزاءات السّرديَّة الكاذبة، فإذا كانت الأساطيرُ تجسّد طفولةَ الشّعوب وأحلامَها فاليقظةُ الفكريَّة تستلزمُ أَنْ يصحوا ويفيقوا من أحلامهم  ولا سيما أساطير الثَّورة ورموزها . ففي مسرحيّة (حياة غاليليو) للكاتب الألمانيّ (بريخت) يجري تصوير (غاليليو) بالإنسان المنهزم الذي يتخلى عن الحقيقة العلميَّة إزاء ترهيب محاكم التّفتيش الدينيَّة وتجريمها للتفكير العلميّ النقديّ وقوله بمركزيَّة الشَّمس لا الأرض ، وإن كان قد علل ذلك  لتلميذه ( أندريا سارتي ) في النّهاية حينما عاتبه بشدة لتراجعه بأنه كسب وقتاً لا لإنقاذ حياته من القتل وإنَّما ليتم براهينه وكشوفه العلمية ، ومن بين ما قاله (أندريا) لغاليليو حينما اضطر للتراجع في المحكمة ولم يكن وفياً للحقيقة:(تعيس ذلك الوطن الذي لا يمتلك أبطالاً)، فكان جواب غاليليو في نهاية المسرحية : لا بل كم هو بائس وتعيس ذلك الوطن الذي يحتاج أبطالاً!. وفي رواية (ذاكرة الجسد) لأحلام مستغانمي تعلن بطلة الرّواية عن ضيقها بسرديات البطولة التي تُروى عن بسالة أبيها الشَّهيد الذي لم تعاصرْ حياته فشكلتْ تصوراتِها عنه قصصُ البطولة التي يرويها الآخرون عنه فانتفضتْ بسأمٍ كبيرٍ لتطالبهم أنْ يكفوا عن أساطير البطولة وأنْ يرووا لها نقاطَ ضعفه وهفواته لأنها تريد أنْ ترى أباها الإنسان الحقيقي .وعلى الرّغم من سماحة ومروءة سيد مكة عبد المطلب إلا أَنَّ التَّاريخ يُحار إزاءه ويُدهش ولا تجدي نفعاً تلك التَّأويلات المسوغة لمفاوضته مع أبرهة الحبشيّ حينما داهم مكة، فقد اكتفى عبد المطلب بمطالبته بأبله وترك  البيت الحرام والكعبة وخرج إلى الشّعاب مُردداً مقولته : (للبيت ربٌ يحميه). فلابدَّ أن تبقى صورةُ البطل زاهيةً ومشرقةً فتُنسَج التأويلات الأسطورية المسوغة للفعل الانهزاميّ، فالرمزياتُ وقصصُ البطولة وسرديات التأسيس هي مرآة الذاتِ التي تطل من خلالها على نفسها ، وتصورُ الإنسانِ عن نفسه وثقافته وهويته الجمعية نسجتها تلك الحكاياتُ، فتفكيكُ تلك السَّرديات وتعليقُ الحكمِ عليها فيْ ضوء تأويلية الشَّك والارتياب لبول ريكور والحفر حول المخبوء تحتها يشكل جُرحاً نرجسياً تبقى الثَّقافات المأزومة تئن من سهام نقده، وتأبى تضميد جراحها بقبول الحقيقة واستئناف  مسار جديد للهوية. فكل محاولة نقدية تعلّق التّصوراتِ القبليّة عن الرموز وعن البطولة وتنزلها منزلتها الواقعيّة في التّحليل والمراجعة وإعادة النظر والتّقييم سوف تجابه بالرفض والاتهام في النوايا، ومن مصاديق ذلك نقد الورديّ للخطاب التمجيديّ الحماسيّ لثورة العشرين ، فقد حاول أن يحلل الدوافع الاجتماعية للثورة والتي لا يمكن تلخيصها  بالوطنية والإباء والانتفاضة لكرامة الوطن فحسب، فالورديّ يرى أنَّ العقلَ المحرك للثورة هم الطَّبقة المتعلمة من موظفي المؤسسات المنهارة للدولة العثمانية الذين فقدوا وظائفهم  وتضرروا من العهد الجديد، ومن بعض شيوخ العشائر الذين فقدوا أراضيهم، فهذه النخب المتعلمة والرموز العشائرية يُضاف اليهم طبقة رجال الدين هم المحرك للثورة. وقد حاولَ الإنكليزُ اللعبَ بمهارةٍ وخبثٍ ودهاءٍ كبيرٍ على وتر الخلافات العشائرية حول زعامة القبيلة وامتلاك الأراضي، فقد أغدق الانكليز رواتبَ ومنحاً ماليةً لبعض المشيخة وأطلقت أيديهم باستملاك بعد الأراضي فاشترتْ سكوتَهم على حساب شيوخ اخرين عمدتْ على إضعاف مكانتهم  ممن أفادوا من العهد العثمانيّ القديم ووقفوا بصف الأتراك لزرع الفتنة والانقسام وتحييد المواقف، كما أن كثيراً من ضُبَّاط الإنكليز وأداريها لم يُحسنْ التعاملَ مع زعماء القبائل فقد تعمد الإساءة إلى كرامتهم وإهانتهم، ولم تُوقر وتُحفظ مكانتهم الاجتماعية المهيبة مما أثار حفيظتهم وإبائهم، وكان ذلك في نظر الورديّ دافعاً نفسياً للثائر لكرامة شخصية مهدورة من دون تبلور وعي وطنيّ ناضج يدرك أبعادَ الاستقلال والأهليَّة الوطنيَّة له. كما يصرّح الورديّ بأن المواقف الوطنية التي استلهمت تجاربَ عربيةً مماثلةً كقيام ثورة الشَّريف حسين وتشكل حكومة سوريا بقيادة الملك فيصل وتبلور الوعي الوطنيّ المدنيّ في الحركات السياسيَّة التّركيَّة من شأنه أن يتمخض عنه حسُّ وطنيّ عراقيّ عند نخبة من الانتلجنسيا والأعيان من المتعلمين العراقيين ومن رجال الدين المتنورين و شيوخ العشائر الأحرار، فحراكُ هؤلاء كلّهم لا يُقدَرُ له النجاح دون فتوى شرعيَّة مساندة تُكسبُ عملَهم رمزيةً وطنيةً يهابها المحتلُ وتحركُ الجماهيرَ، فكان نجلُ المرجعِ محمد رضا الحائريّ الشّيرازيّ هو سفير الوطنيين إلى والده المرجع الكبير، وكان قربُه منهم وتشاوره معهم يمثل مجساتِ مرجعية والده في معرفة متغيرات السَّاحة الوطنية وتطورات السياسة الإنكليزية تجاه العراق. ولقد كانت مرجعية الإفتاء العليا في حوزة النجف  تعود للسيد محمد كاظم اليزدي وكان نهجه ممالأة الإنكليز وعدم الصّدام معهم، وكان الشيرازيّ يقيمُ في مدينة سامراء، وبتأثير  كبير من كثير من الأفراد ممن لا يكنون الود والتقدير لليزديّ من رجال الدين والوطنيين خضع الشيرازيّ لطلبات ملحة بشأن قدومه من سامراء والاستقرار في النجف لثقلها الروحيّ الدينيّ والسياسيّ والوطنيّ ولتحجيم نفوذ اليزديّ وخلق زعامة منافسة له، وفي الوقت الذي استجاب الشيرازيّ لتلك الدَّعوات إلا أنه آثرَ الاستقرارَ في كربلاء بعيداً عن النجف تجنباً لصدام المرجعيات الدينيَّة التي تديره الحواشي والبطاناتُ الفاسدة، فهم يستثمرون في الفتن ويقتاتون على التَّزلف والتَّملق  إلى جنب أنَّ كربلاء كانت تشهد حراكاً وطنياً وسياسياً. وبعد وفاة اليزديّ حاول الإنكليزُ تحييدَ الشيرازيّ عن النبض الوطنيّ الشعبيّ فأبرقوا رسائلَ كثيرةً لكسب ودّه معلنين دعمهم له وتأييدهم لمرجعيته وتوقعهم بأنه سوف ينهجُ  نهجَ سلفه اليزدي في القرب من الإنكليز ، وكان  ما يبدر من الشّيرازيّ هو التّجاهل والإنكار والاعتراض على كثيرٍ من الإغراءات التي حاولت الاصطيادَ في الماء العكر وبذر فتنة الانقسام المذهبيّ، فقد رفض اقتراح الإنكليز وعزمهم على تغيير سادن الحضرة العسكريَّة في سامراء لكونه سنّياً وليس شيعياً وأبى ذلك بشدة، كما رفض الإفتاء والتَّدخل في الشّأن الإيرانيّ حينما طلب منه الإنكليز إقناعَ الإيرانيين بقبول المعاهدة مع بريطانيا، ومؤكداً وبامتعاض شديد بأنهم أعرفُ بشؤون بلادهم مني ولا يجوز لأي فقيه من الخارج أنْ يتدخلَ سياسياً بشأنِ بلادٍ ليستْ بلادَهُ. وفي البدء تردد الشّيرازيّ في الفتوى الجهاديَّة لأنه كان يخشى عدم تكافؤ القوى ولكن المتحمسين للثورة من رجال الدين ونجله وجملة من الأعيان الأفندية وبعض شيوخ العشائر عمدوا إلى طمأنته والتأكيدَ له على قدرة العراقيين على المواجهة.ونتيجة مراسلات كثيرة وافته من بغداد بسبب ما جُوبه به الوطنيون المطالبون بالاستقلال من عنف وتنكيل من قبل الإنكليز فقد كانت تستفتيه حول هذه الأحداث فما كان منه إلا أن يبارك مطالبتهم ويؤازرها، مشدداً على ضرورة الحفاظ على أتباع الديانتين اليهودية والنصرانية من العراقيين في بغداد ، ولم تكن توصيته كلاماً عابراً بل هو إحساس الفقيه الورع وحرصه الذي يخبر طبيعة الناس واستخفافهم بالأقليات واستغلالهم لاضطراب الأحداث في التعدي على الآخرين ونهب أموالهم، وكانت تلك التوجيهات رسالة اطمئنان استأنس بها أعيان تلك الطوائف فتوافدوا لشكره. فالكثير من ثوار العشار في مناطق مختلفة كانت دوافع النهب والسّلب لثكنات الإنكليز وممتلكاتهم هي الدّافع والمحرك لانتفاضتهم كما يرى الورديّ .
وتبلغ المواجهة ذروتها بنفي نجل الشيرازيّ الأكبر محمد رضا  وكوكبة من العلماء والزعماء الوطنيين من قبل بريطانيا، وعلى الرغم من ذلك بقي المرجع الشيرازيّ متمسكاً بعدم الصدام المسلح مع الإنكليز وانتهاج مسار الانتفاضة السلمية فقد أخبر المُصرّين على المواجهة بأنه لا يجيز ذلك شرعاً حتى لو وجدتموني قتيلاً أو قُتل ابني، فنفيه من قبل بريطانيا ـ كما يؤكد الشيرازيّ ـ لا يجيز لكم الاصطدام المسلح لان ذلك سوف يريق الدماء، والمسألة لا تتعلق بشخصه بقدر تعلقها بعصمة دماء الناس وسفكها في معركة غير متكافئة سوف توقع ضحايا كثيرة جداً.  إنَّ حمل العشائر للسلاح ينذر بخطر كبير جدا، إذ قد يتم توجيه السلاح إلى بعضهم البعض نتيجة النزاعات العشائرية المستشرية في جسد المجتمع، فعدم إصدار الفتوى بحمل السّلاح والصّدام كانت تستشرف بنظرة ثاقبة وحكيمة عواقب حمل السّلاح مستقبلاً على أبناء المجتمع نفسه. ونتيجة التَّنكيل الذي وُجه للشّيخ (شعلان أبو الجون) والاعتقال انفلتَ عقالُ ضبطِ النّفس فانتفضتْ عشائر الرميثة في الثلاثين من حزيران 1920 وعلى الرّغم مما أحرزته تلك  العشائر من تكبيد القوات البريطانية من خسائر واستبسالها الشجاع، إلا أنها مُنيت بخسائر كبيرة مما وضعها في موقف محرج جداً في وقت اكتفت العشائر الأخرى بمراقبة المشهد ولم تحرك ساكناً طوال أسبوعين من حصار منطقة الرميثة مما آلم الشيرازيّ كثيراً واضطره إلى الإفتاء بنحو صريح لقتال الإنكليز، ولكن مما يُدهش له أنَّ كثيراً قد تثاقل وتباطأ من شيوخ العشائر في الاستجابة لفتوى القتال والجهاد متذرعاً بعدم جهوزية قبيلته للقتال مما اضطر كثيراً من رموز الثوار وأعيانهم إلى تقديم منح مالية لبعض شيوخ العشائر لكسب موقفهم إلى صف الثورة وإبعادهم عن ممالأة الإنكليز ، فانخرط بعد حين من أحجم عن الانخراط لهذا السبب ، وربما الاكتفاء بمراقبة المشهد لما تبديه جملة من العشائر من الشجاعة والاستبسال قد أحرج شيوخاً آخرين فانخرطوا في الثورة لا عن قناعة حقيقية. ويعضد الورديّ زعمه الأخير بأن بعض رجال الدين ممن التقاهم حكى له أنه كان يعمد إلى إحراج شيوخ العشائر وينتقد سكوتهم وتقاعس غيرتهم إلى حد التعيير، وهذا ما تأباه النظم القيمية والاجتماعية للرجل البدوي ومثيراً  فيهم حمية حماية العرض والدّين إلى جنب أن كثيراً من زعماء القبائل راق له ركوبُ موجة الجهاد والقتال بعد أن شاهد كثيراً من القبائل تحوز على الغنائم من الأموال والأسلحة والأمتعة من ثكنات الإنكليز ومباني السَّرايات الحكوميَّة، فكان ذلك يشبع غريزة النّهب والسلب القابعة في لا شعور الروح البدوية. وعلى الرغم من الخسائر التي مُني بها الإنكليز ودهشتهم بالمواجهة العراقية الشَّرسة، وطلبهم للصلح والتفاوض إلا أن الثورة لم تنتهِ النهاية المرجوة لها  لأسباب كثيرة . وواحدٌ من تلك الأسباب هو موت رمزها الفقيه الزعيم الدينيّ محمد تقي الحائريّ الشّيرازيّ، ولعلَّ هذا السبب هو من يفسر سردية أنه سُقي السم غيلة من قبل عملاء الإنكليز وأذنابهم، فأغلب الظن أنَّ من أشاع هذا التَّصور أراد أن يعطي لحركة الثوار زخماً في النّضال ومقارعة المستعمر بعد أن تكبّد الثّوار خسائر فادحة بسبب بساطة قوتهم، فالنّهاية التّراجيديّة للرمز والبطولة المقهورة في نظرية المؤامرة لا شك سوف يذكي الإحساسَ بالقهر لدى المنتفضين ممن هم وقود الثورة مما يضمن ديمومتها لا أن تنتهي بنهاية قادتها. ولكنَّ الراجحَ أن الفقيه الشّيرازيّ بسبب تقدمه في العمر فقد ناهز الثمانين عاماً وما كان يتسم به من تقوى وورع وتوجس من مسؤولية الفتوى وتبعاتها وما أُرِيْقَ من دماء الشهداء والضحايا كان ذلك كله له وقع شديد لم يتحمله، إذ يروي المؤرخون أن بعد انتهائه من إمامة الناس في صلاة الجماعة وخروجه من الصَّحن الحُسينيّ شاهد الكثير من جنائز الشّهداء وهي تُحمَلُ فتغير لونُه  وصُدِم َوانتكست صحته، فقد مات كمداً  بعد أيام يسيرة، وهذه الرّواية يذكرها الورديّ في لمحاته الاجتماعية في الجزء المختص بثورة العشرين، والرّاجح فيما أظن أن هذا هو التفسير المقبول الذي يجسّد نبلاً ومسؤولية إنسانية وأخلاقية قبل أن تمثل ورعاً  حقيقياً ومسؤولية دينية، فالعقل الفقهي الورع يتواتر في أدبياته التوصيةُ بالاحتياط فيما يتعلق بفتاوى القتال  والجهاد والدم، فإشاعة الحقيقة سوف يهز عزيمة الثوار، فمعنويات الجماهير سوف تُكسَر وتُهزَم إذا أحسَّت بانهيار وانكسار معنويات رموزها .  ويقتربُ الورديّ من فكرة الدّفاع عن الوطن بوازع التّدين بنحو غير مباشر، فالمجتمع المستنير بأعرافه وغير المنقسم والمتوازن بإيمانه  بمنظومة قيمه سوف تكون إرادته الجمعية وثبات رؤيته هي الضمان لمجابهة التحديات الداخلية والخارجية فيستغني عن بوصلة الرّمز. فهل تحتاج البديهيات في الدفاع عن الوطن ونيل الاستقلال إلى فتوى دينية؟ يعلل الورديّ مصرحاً أن الفتوى مثّلت مُحركاً  اجتماعياً لا دينياً بسبب ضعف الوازع الدينيّ عند العشائر آنذاك، ففرضية التَّناشز القيميّ تستبعد من الشخصية العراقية سمة التَّدين الخالص فيْ منظور الورديّ، ولكن الفتوى كانتْ عاملاً مهماً لإحراج الكثير بضرورة القتال، فالقعود يعرّضهم للتعيير والانتقاد الاجتماعي.                                                     
                                                      يتبع


تابعنا على
تصميم وتطوير