رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
رسالة من الملك لير


المشاهدات 1102
تاريخ الإضافة 2026/08/23 - 8:39 PM
آخر تحديث 2026/08/24 - 12:57 AM

بدعوة كريمة من الفنانة الدكتورة عواطف نعيم والصديق الفنان عزيز خيون، حضرت مع عدد من الزملاء عرض اليوم الأخير لمسرحية « أنا.. أنا» على مسرح الرشيد مساء الجمعة الماضي، وهي قراءة معاصرة لمسرحية « الملك لير» لشكسبير، قدمها « محترف بغداد المسرحي» بالتعاون مع دائرة السينما والمسرح. وقد التقطت عواطف نعيم، مؤلفة المسرحية ومخرجتها، جوهر المأساة لا تفاصيلها، إذ تبدأ والملك لير «عزيز خيون» وحيداً وسط العاصفة، بعدما أضاع ملكه وسلطانه، إثر استيلاء ابنتيه الكبرى والوسطى على ملكه، بعد أن خدعتاه بالنفاق والتملق الكاذب. لقد خسر التاج، لكنه خسر قبل ذلك قدرته على التمييز بين الحب الصادق والكلمات المزيفة، وحين تتبدد أوهام السلطة، لا يبقى أمامه سوى الندم والخذلان والشوق إلى ابنته الصغرى، التي رفضت أن تجعل حبها لأبيها سلعة في سوق المديح، فدفعها بعيداً عنه قبل أن يدرك متأخراً أنها كانت الأكثر صدقاً ووفاءً.
في « أنا.. أنا» تحضر البنتان الكبريان كصوتين فقط، كأنهما صدى لذاكرة لير المعذبة، فيما تؤدي آيار عزيز دور الابنة الصغرى بأداء تعبيري صامت، جعل الجسد والنظرة والحركة بديلاً عن الكلام، ومنح حضورها مسحة من البراءة والحزن وسط عالم الأب المتداعي. ولعل من أروع مشاهد العرض ذلك المشهد الذي يتصل بكرسي السلطة وصولجانها الضائع، فالكرسي هنا ليس قطعة من الديكور، بل رمز لمجد زائل ووهم بشري قديم، والصولجان الذي يبحث عنه الملك يبدو كأنه بحث عن ذاته التي ضاعت منه يوم ظن أن السلطة يمكن أن تعوض الحب، وأن المديح دليل الوفاء. أما عزيز خيون فقد تمكن، على مدى نحو ساعة كاملة، من حمل ثقل النص والعرض ببراعة لافتة وذاكرة حاضرة، متنقلاً بين غضب الملك وانكساره، وبين جنونه وحكمته المتأخرة، مستنداً إلى خبرة مسرحية طويلة وحضور مسرحي ظل ممسكاً بانتباه الجمهور حتى اللحظة الأخيرة، كما أسهمت عناصر السينوغرافيا، بما فيها الفضاء شبه الخالي والأقمشة المتدلية والإضاءة، في خلق عالم يوحي بالخراب والعاصفة والسفينة التي فقدت شراعها وربانها معاً.
بعد انتهاء العرض ببضع ساعات وصلتني من الفنان عزيز خيون رسالة شكر، لكنها كانت في حقيقتها رسالة عن حال المسرح العراقي، فقد كتب عن العمل في ظرف كارثي الصعوبة، وعن حلمهم بـمشروع جمالي يوفر للشعب الطمأنينة والحرية والعدل والمتعة والفائدة. ثم ختم موقفه بكلمات تختصر عناد الفنان الحقيقي أمام شح الدعم: سنحاول، ونحاول.. ونحاول. ولعل هذه الكلمات هي الرسالة الأبعد التي حملها إلينا الملك لير في تلك الليلة، ذلك أن العروش تزول، والتيجان تسقط، والصولجانات تضيع، لكن الفن يبقى قادراً على أن يرفع صوته في وجه العاصفة.
 وهكذا غادر لير الخشبة، ولم تغادرنا حكايته، لأن في مأساته شيئاً من أسئلة زماننا هذا، وفي إصرار صُناع المسرح على مواصلة الطريق ما يجعل الأمل ممكناً، حتى في الأزمنة الصعبة .


تابعنا على
تصميم وتطوير