
الأكيد أن المغرب الذي يعد أقدم دولة بالمفهوم النظامي الحديث مقارنة مع العديد من دول الجوار بما في ذلك إسبانيا نفسها، ظل حاضرا في الذاكرة الاستراتيجية الإسبانية كدولة جارة يصعب تجاهل حضورها و أدوارها في الأوضاع في المنطقة. وحينما يتفصح المتابع تاريخ العلاقات بين بلدين جارين يراقبان أحد أهم الممرات المائية في العالم على البحر الأبيض المتوسط، يتوقف طويلا عند أحداث و تطورات لا تزال تأثيراتها سارية إلى اليوم، يتوقف خلالها هذا الملاحظ عند حروب متعددة تواجه فيها الجيران لأهداف سياسية واستعمارية و تبشيرية. وتحتفظ الذاكرة الاستراتيجية الإسبانية بمعطى لا زال يلقي بتداعياته على العلاقات بين الجارين باحتلال القائد المغربي طارق بن زياد لشبه الجزيرة الإيبيرية التي عرفت في تلك الإبان بالأندلس قبل وجود إسبانيا الحديثة، وعمر المغاربة، ومعهم كثير من المسلمين في الأندلس لمدة طويلة تجاوزت ثمانية قرون كاملة، قبل سقوطها و طرد المغاربة منها، وتتحول موازين القوى لفائدة إسبانيا ، التي سمحت لها الأوضاع العالمية السائدة ببسط نفوذها على المغرب بداية من تنازل البرتغال على مدينة سبتة المغربية لفائدتها، ووصولا إلى استعمار مباشر لأجزاء كثيرة في شمال المغرب و في جنوبه ، قبل أن تضطر للإنسحاب التدريجي من بعض منها، من سنة 1955 إلى سنة 1975 في حين لا تزال تستعمر مناطق مغربية أخرى من قبيل سبتة و مليلية والعديد من الجزر التابعة لهما التي توجد قريبة جدا من الشواطئ المغربية.. نعيد التذكير بهذا التاريخ وبما تحتفظ به الذاكرة الاستراتيجية الإسبانية فيما بخص المغرب لمحاولة فهم التطورات المتسارعة التي تهز أركان العلاقات الثنائية بين مدريد و الرباط هذه الأيام، والتي كان العبور الجماعي لعشرات الآلاف من المواطنين المغاربة نحو مدينة سبتة المغربية المحتلة خلال الأسبوع الأول من الشهر الحالي أبرزها و أهمها، لنؤكد أن ما حدث لم يكن تطورا شاذا عن سياق تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين بل مجرد حلقة واحدة من حلقات التوتر المتكرر و المتجدد، ولا يقبل التبسيط من قبيل الادعاء بأن الأمر يتعلق بحادث طارئ وعابر في علاقات تتميز بالاستقرار و الانسجام و التفاهم، بل لا بد من وضع الحادث في سياق ما تختزنه الذاكرة الاستراتيجية الإسبانية والمطبوع في مجمله بالاستعداء وكثير من الكراهية، وهذا ما لا تؤكده استطلاعات الرأي الكثيرة التي ما تفتأ مراكز الأبحاث و الدراسات الإسبانية تجريها داخل إسبانيا، والتي يرى فيها الغالبية الساحقة من الإسبان أن المغرب يمثل لإسبانيا أكبر خطر يهددها ، والتي ما فتئ اليمين الإسباني المتطرف يقولها بكل وضوح، وهو بذلك يكشف عن المخزون الحقيقي للذاكرة الاسترتيجية الإسبانية تجاه المغاربة، حينما يدعو إلى التشدد تجاه المغاربة من خلال طردهم من التراب الإسباني وقطع العلاقات بين مدريد و الرباط، وغير ذلك كثير من تجليات مخزون هذه الذاكرة الاستراتيجية..اليوم حينما يعاين الإسبان أن المغرب الذي كان جزءا مهما خاضعا لنفوذهم الاستعماري قبل عقود قليلة يتحول إلى قوة جهوية حقيقية صاعدة، ويقلم أظافر النفوذ الإسباني في المنطقة وفي العمق الأفريقي، فإنهم يعودون في تقييمهم لما يحققه المغرب إلى ذاكرتهم الاستراتيجية و يخلصون إلى الاعتقاد بأن المغرب المعاصر هو في حقيقته الخطر التاريخي الذي ظل جاثما على مستقبلهم. لذلك نفهم ادعاء كثير من الأوساط الإسبانية، خصوصا اليمينية المعتدلة و المتطرفة منها، أن المغرب هو من حرض على العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، وكأن المغرب شرطي حراسة يعمل لدى المصالح الإسبانية مكلفا بحماية الحدود الإسبانية بما في ذلك الوهمية منها في سبتة و مليلية المحتلتين.. والحقيقة التي لا تخفى على المتابع البسيط أن العلاقات بين الرباط و مدريد ستظل محكومة بالتصعيد والتأزيم والتجاذب ما دام الإسبان لم يتحرروا من ذاكرة استراتيجية قاصرة وفاسدة .