رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
إهدار الحقيقة.... إساءة التعليم والإعلام وأوهام الليبرالية والسوق الحرة


المشاهدات 1093
تاريخ الإضافة 2026/08/17 - 12:01 AM
آخر تحديث 2026/08/17 - 2:26 PM

يقدّم هذا الكتاب الذي حرّره وقدم له الناقد التربوي دونالدو ماسيدو، خلاصةً لرؤية نعوم تشومسكي النقدية لمنظومة التعليم والإعلام في الولايات المتحدة، في سياق ليبرالي جديد تسوده أوهام السوق الحرة. ينطلق تشومسكي من فرضية أن التعليم في المجتمعات الغربية ليس أداةً للتنوير والتحرر، بل هو مؤسسة لإعادة إنتاج الطاعة والامتثال، تعمل جنباً إلى جنب مع وسائل الإعلام التي تنتج «الموافقة» وتُهدر الحقيقة لصالح النخبة الحاكمة. يطرح الكتاب سؤالاً جوهرياً: لماذا تتحاشى المدارس تعليم الحقيقة؟ ولماذا تُكافأ الأكاذيب الرسمية بينما يُعاقب من يكشفها؟ يبحث تشومسكي في آليات «الترويض» التي تمارسها المؤسسات التعليمية، ويكشف عن التواطؤ بين الدولة ورأس المال والإعلام في إنتاج مواطن مستسلم، يفتقر إلى التفكير النقدي، ومؤمن بالأوهام الليبرالية عن الحرية والديمقراطية. يقع الكتاب في خمسة فصول، تتنقل بين حوارات ومناظرات ومقالات تحليلية، لتقديم رؤية شاملة لما يسميه تشومسكي «إهدار الحقيقة» لصالح الدعاية والسيطرة.
تتمحور رؤية تشومسكي حول أن «الديمقراطية» في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة ليست أكثر من منظومةٍ تسيطر فيها صفوة المجتمع، الممثلة في قطاع الأعمال، على الدولة عبر سيطرتها على القطاع الخاص، بينما يكتفي المواطنون بالمشاهدة والموافقة الصامتة. في هذا السياق، يؤدّي التعليم والإعلام دوراً محورياً في «ترويض» الأفراد وتأهيلهم اجتماعياً لقبول هيكل السلطة القائم، وخاصة الشركات الكبرى. يرى تشومسكي أن المدارس ليست مؤسسات لتنمية الفكر النقدي، بل هي مؤسسات للطاعة تقدم للطلاب «الدعاية للديمقراطية» بدلاً من أن تمارسها فعلياً. وهكذا، يُصبح «إهدار الحقيقة» جزءاً من استراتيجية واعية للحفاظ على النظام الطبقي، حيث يُكافأ المثقفون الذين يخدمون الخطاب الرسمي، بينما يُطلب ممن ينتقدونه بتقديم أدلة لا تُحصى في كل جملة. جوهر الكتاب هو نقد هذه الآليات الخفية، وإظهار كيف تُنتج «أوهام الليبرالية والسوق الحرة» واقعاً من التفاوت والامتثال، بدلاً من التحرر والعدالة.
يخلص تشومسكي إلى أن التحدي الأكبر هو تجاوز «ترويض التعليم» وإنتاج خطاب نقدي يُمكّن المواطنين من فهم العالم كما هو، وليس كما تروّجه الدعاية. يدعو إلى تطوير «منظور نقدي للتعليم» يزوّد العامة بأساليب الدفاع عن النفس ضد التلاعب الإعلامي والتربوي. يستلهم من مفكرين مثل باولو فريري وجون ديوي، الذين رأوا أن التعليم الحقيقي يجب أن يُنمي الوعي النقدي ويمكّن من المشاركة الفاعلة في صنع القرار. يرى تشومسكي أن تحرير الفكر يبدأ من المدرسة، لكن المدرسة نفسها أصبحت جزءاً من منظومة القمع، مما يجعل المهمة أكثر صعوبة. ومع ذلك، لا يفقد الأمل في إمكانية التغيير، من خلال حركات اجتماعية تعيد تعريف التعليم كسلعة عامة وقوة ديمقراطية.
نبذة عن المؤلف:
نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو فيلسوف، لغوي، وناشط سياسي أميركي، يُعتبر أحد أبرز المفكرين النقديين في العالم. أستاذ اللسانيات الفخري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ويُوصف بأنه «أب علم اللسانيات الحديث». تميز تشومسكي بنقده اللاذع للسياسة الخارجية الأميركية، ومناصرته للقضايا الإنسانية، وانتقاده للرأسمالية ووسائل الإعلام. من أبرز كتبه السياسية: صناعة الموافقة، الهيمنة أو البقاء، قراصنة وأباطرة، والمثلث المصيري. يُعد من أكثر المفكرين استشهاداً في العالم.
المغزى الفكري
يقدّم الكتاب نقداً جذرياً لآليات إنتاج الوعي في المجتمعات الرأسمالية. يكشف تشومسكي كيف أن التعليم والإعلام لا ينقلان الحقيقة، بل يُنتجانها بشكل يخدم مصالح النخبة. يُظهر أن «الحرية» و»الديمقراطية» ليست سوى أوهام تغذّيها الدعاية، بينما تظل السلطة الحقيقية في أيدي من يمتلكون وسائل الإنتاج والإعلام. الكتاب دعوة إلى استعادة القدرة على التفكير النقدي، ورفض التلقي السلبي للخطاب الرسمي، وإدراك أن «إهدار الحقيقة» هو جوهر النظام القائم. كما أنه ينبّه إلى أن المثقفين ليسوا ضحايا الدعاية، بل هم عملاؤها الأساسيون، مما يضع على عاتقهم مسؤولية أخلاقية مضاعفة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير