رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الرياضة العراقية بين ضعف القرار وقوة المصالح


المشاهدات 1060
تاريخ الإضافة 2026/08/15 - 9:59 PM
آخر تحديث 2026/08/16 - 11:19 AM

ليست كل أزمات الرياضة العراقية وليدة نقص المال، ولا يمكن تعليق جميع إخفاقاتها على شماعة الإمكانات أو الظروف. فثمة علة أعمق، وأكثر خطورة، تتمثل أحياناً في ضعف المسؤول وجهله بحدود مسؤوليته، وعدم امتلاكه القدرة أو الإرادة الكافية على اتخاذ القرار الصحيح.
قد يكون المسؤول حسن النية، لكنه ليس بالضرورة قادراً على إدارة ملف رياضي معقد. فالمنصب الإداري ليس وجاهة، والمسؤولية ليست توقيعاً على كتاب أو حضوراً في اجتماع، وإنما معرفة بالقانون، وإدراك للتفاصيل، وشجاعة في اتخاذ القرار، وقدرة على التفريق بين ما يخدم الرياضة وما يخدم الأشخاص.
ولست متجنياً على أحد حين أقول إن بعض مكامن الخلل تبدأ من ضعف المسؤول وجهله بمسؤوليته؛ لأن الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو إصلاحها. فالمشكلة لا تكمن في أن يخطئ المسؤول، فالخطأ وارد، وإنما في أن يتحول الخطأ إلى منهج، والجهل إلى قرار، والتردد إلى سياسة، والمجاملة إلى قاعدة عمل. لكن المشهد لا يتوقف عند هذا الحد.
هناك أصحاب مصالح يعرفون جيداً من أين تؤكل الكتف، وكيف يُستثمر ضعف بعض المسؤولين. يقتربون من مواقع القرار، يحيطون بصاحب المنصب، يزودونه بما يريدون أن يسمعه، ويقدمون له نصف الحقيقة، حتى يصبح القرار في بعض الأحيان أسيراً لمعلومة ناقصة أو قراءة مضللة. وهنا تكمن الخطورة الأكبر.
فحين يكون المسؤول ضعيفاً، يصبح من السهل التأثير فيه. وحين يجهل تفاصيل ملفه، يصبح أكثر حاجة إلى من يشرح له، وقد لا يكون من يشرح له بريئاً من المصلحة. وحين يخشى المسؤول من المواجهة، تتقدم المصالح الخاصة على المصلحة العامة، ويصبح صاحب الصوت الأعلى هو الأكثر تأثيراً، لا صاحب الحق أو القانون.
الرياضة العراقية اليوم بحاجة إلى مسؤول يعرف ماذا يريد، ولماذا يريد، وكيف يصل إليه، وما حدود صلاحياته، ومتى يقول نعم ومتى يقول لا. نحن بحاجة إلى مسؤول لا يخاف من أصحاب المصالح، ولا يسمح لهم بأن يكونوا شركاء في صناعة القرار من خلف الستار. مسؤول يستمع إلى الجميع، لكنه لا يسمح لأحد بأن يصنع قراره نيابة عنه.
كما أن إصلاح الرياضة لا يبدأ دائماً من الملعب؛ بل يبدأ من غرفة القرار. فإذا صلح القرار الإداري، استقام جزء كبير من المسار. وإذا اختل القرار، فلن تنقذنا كثرة البطولات، ولا وفرة المؤتمرات، ولا البيانات الجميلة، ولا الصور التي تملأ صفحات التواصل الاجتماعي. الرياضة منظومة متكاملة، تبدأ بالتشريع والإدارة والتخطيط، مروراً بالأندية والإتحادات  والمؤسسات، وتنتهي باللاعب والمدرب والإنجاز. وأي خلل في رأس هذه المنظومة سينعكس، عاجلاً أم آجلاً، على كل مفاصلها. لذا، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن كبش فداء، ولا توزيع الاتهامات، وإنما إعادة بناء منظومة المسؤولية على أساس الكفاءة والنزاهة والمعرفة والمحاسبة.
 فلا يكفي أن يكون المسؤول محباً للرياضة، ولا أن يكون قريباً من أهلها، ولا أن يمتلك تاريخاً فيها؛ المطلوب أن يكون قادراً على إدارة ملفها، وفهم قوانينها، وحماية مؤسساتها، ومواجهة الضغوط التي تحاول اختطاف القرار الرياضي.
 إن أخطر ما يمكن أن يصيب الرياضة ليس خصماً في الملعب، بل قراراً ضعيفاً في غرفة مغلقة. وأخطر من القرار الضعيف، أن يكون وراءه تضليل من أصحاب المصالح. وأخطر من ذلك كله، أن يعرف المسؤول الحقيقة ثم يختار الصمت.
 لقد آن الأوان  للخروج من دائرة المجاملات، وقول  الحقيقة كما هي: الرياضة العراقية لا تحتاج فقط إلى المال والمنشآت والبطولات، بل تحتاج قبل كل شيء إلى مسؤول قوي بالمعرفة، شجاع في القرار، مستقل في موقفه، وأمين على المصلحة العامة.
 فحين يكون القرار قوياً، تتراجع المصالح الضيقة. وحين يكون المسؤول واعياً، يفشل التضليل. وحين تكون المؤسسة قوية، لا يستطيع أحد أن يرهبها.
وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي للرياضة العراقية.


تابعنا على
تصميم وتطوير