
نقلت التطورات المتسارعة والمتلاحقة حادث العبور الجماعي لعشرات المواطنين المغاربة للمعابر النظامية وغير النظامية بين مدن مغربية إلى مدينة سبتة المغربية المحتلة من طرف إسبانيا، من قضية كانت تقتصر على حادث عرضي متكرر عرفته المنطقة أكثر من مرة في السنوات القليلة الماضية، إلى مستوى أزمة تواصل التمدد على مستوى العلاقات المغربية الإسبانية وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي.
اليمين الإسباني المتطرف استغلها فرصة سانحة لتصفية حساباته العنصرية الضيقة تجاه المغرب، حيث لم تتردد مكوناته الحزبية والثقافية في المطالبة بالتشدد في ردة الفعل تجاه المغرب من خلال قطع العلاقات الدبلوماسية وطرد جميع المهاجرين النظاميين المغاربة المقيمين في جميع التراب الإسباني وإلغاء جميع اتفاقيات التعاون، متهمةً السلطات المغربية بالوقوف وراء العبور الجماعي للمواطنين المغاربة نحو مدينة سبتة. وقدرت هذه الأوساط الإسبانية المتطرفة أن الفرصة مناسبة لاستغلال حادث عرضي بعمق إنساني لتحقيق أهداف عنصرية بغيضة.
التطورات المتعلقة بهذا الحادث لم تتوقف عند العلاقات المغربية الإسبانية بل امتدت إلى عمق القارة الأوروبية، وهزت لأول مرة أركان الاتحاد الأوروبي، بسبب أن دول هذا الاتحاد تعتبر أن مدينة سبتة المغربية التي توجد فوق التراب المغربي ويفصلها البحر الأبيض المتوسط عن التراب الإسباني، تندرج ضمن التراب الأوروبي. وفي هذا السياق سارعت الحكومة الإيطالية اليمينية إلى إعلان تعليق العمل باتفاقية شنغين مع إسبانيا، وإخضاع جميع الوافدين من إسبانيا إلى إيطاليا، بمن في ذلك المواطنون الإسبان، إلى إجراءات دخول مشددة، بعدما اتهمت الحكومة الإسبانية بسوء التعامل مع قضية الهجرة، وردت الحكومة الإسبانية بالمعاملة بالمثل مع المواطنين الإيطاليين.
ولم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، بل طالت الاتحاد الأوروبي نفسه بأن تباينت المواقف بين حكومات دوله، بين من دعا إلى اتخاذ تدابير عقابية ضد المغرب بعد اتهامه بتعمد السماح لآلاف مواطنيه باقتحام المعابر المؤدية إلى سبتة المحتلة، وبين غالبية حكومات هذه الدول التي ألحت على ضرورة التعامل بهدوء كبير مع ما حدث، ومراعاة أن المغرب بلد يعتبر حليفا استراتيجيا للاتحاد الأوروبي على المستويات الاقتصادية والسياسية والجيو استرتيجية. وأكدت هذه الحكومات أن المغرب يقوم بجهود كبيرة جدا بهدف حماية الأمن الأوروبي فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والاتجار في البشر والهجرة غير النظامية وتهريب الأسلحة.
وترى حكومات هذه الدول الأوروبية الداعية إلى التريث والحكمة أن أي تصعيد ضد المغرب يعد لعباً بالنار خصوصاً في هذه الظروف الدقيقة والصعبة، لأن أي تراجع للمغرب فيما يقوم به تجاه الدول الأوروبية في المجال الأمني بجميع تشعباته ستكون تكلفته غالية جدا.
والأكيد أن هذه التكلفة ستكون باهضة أيضا على المستوى الاقتصادي، وذلك لأن المغرب تحول إلى قوة اقتصادية على المستوى الأفريقي، وهو بذلك أصبح بوابة رئيسية للاقتصاد الأوروبي نحو عمق القارة السمراء.
الرباط لم تتسرع في التفاعل مع هذه التداعيات والتزمت التريث من جهتها، حيث لم يصدر أي موقف مغربي رسمي باستثناء تصريح صحافي لوزير العدل المغربي الذي أكد فيه أن مدينتي سبتة ومليلية مغربيتان، وهما في وضعية احتلال، ووجه انتقادات صريحة لبعض الدول الأوروبية بسبب تعاملها بانتقائية مع قضية الهجرة.
بقي أمر أخير يتمثل في أن المغرب ربح ربحاً كبيراً مما جرى، ليس لأنه تسبب فيه، ولكن لأن العالم أصبح يعلم اليوم بوجود مدن مغربية محتلة من طرف إسبانيا.