رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
اللغة العربية في زمن المنصات الرقمية .....بين مرونة التطور ومخاوف التراجع اللغوي


المشاهدات 1089
تاريخ الإضافة 2026/08/10 - 11:01 PM
آخر تحديث 2026/08/11 - 1:53 PM


في عصر أصبحت فيه المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، شهدت اللغة العربية تحولات متسارعة في أساليب استخدامها، مع اتساع حضور العامية، والاختصارات، واللغة الهجينة التي تمزج بين العربية والمفردات الأجنبية والرموز الرقمية، وبين من يرى أن هذه التحولات تمثل تطورا طبيعيا يواكب إيقاع العصر وثورة الاتصال، ومن يحذر من آثارها على سلامة اللغة الفصحى والهوية الثقافية، يتجدد الجدل حول مستقبل العربية في الفضاء الرقمي.. فهل تشكل هذه الظواهر تهديدا حقيقيا للغة الضاد، أم أنها مجرد مرحلة جديدة في مسيرة لغة عرفت عبر تاريخها الطويل قدرتها على التكيف مع    المتغيرات؟
أكدت إيمان الكلباني أن اللغة العربية ليست كيانا جامدا، وإنما لغة حية تتطور بتطور الإنسان ووسائل تواصله، مشيرةً إلى أن الانتشار الواسع للعامية والاختصارات واللغة الهجينة عبر المنصات الرقمية لا يمكن اعتباره بالضرورة مؤشرا على تراجع اللغة العربية، بل يعكس طبيعة العصر الذي يتسم بالسرعة والاختصار في تبادل المعلومات، كما أن القلق يصبح مبررا عندما تتحول هذه الأنماط اللغوية المختصرة إلى بديل دائم للغة العربية الفصحى، الأمر الذي قد ينعكس سلبا على مهارات القراءة والكتابة لدى الأجيال الجديدة، ويؤدي إلى إضعاف ارتباطهم بلغة القرآن الكريم والتراث والثقافة العربية.
وأضافت: أن المنصات الرقمية لا تمثل تهديدا للغة العربية في حد ذاتها، وإنما تعد أداة يمكن أن تسهم في ازدهارها إذا أُحسن توظيفها. لافتةً إلى أنها أسهمت في إيصال المحتوى العربي إلى ملايين المستخدمين، كما شجعت أعدادا كبيرة من الشباب على القراءة والكتابة وصناعة المحتوى بلغتهم الأم. وشددت الكلباني على أن جوهر القضية لا يكمن في التقنية، وإنما في أسلوب استخدامها، مؤكدةً أهمية تحقيق التوازن بين مواكبة التطور الرقمي والحفاظ على مكانة اللغة العربية الفصحى، من خلال تعزيز حضورها في التعليم والإعلام وصناعة المحتوى الهادف، مع تقبل استخدام اللهجات في سياقاتها الاجتماعية دون أن تحل محل الفصحى، وعلى أن اللغة العربية استطاعت أن تصمد عبر قرون طويلة رغم التحولات الحضارية المتعاقبة، بفضل مرونتها وقدرتها على التكيف.
وأكدت الدكتورة نادية حمزة فؤاد الجدوع أن اللغة العربية لم تعد في الوقت الراهن مجرد وسيلة للتخاطب والتواصل، بل أصبحت في صميم معركة حضارية وثقافية تخوضها الأمم للحفاظ على هويتها في ظل الثورة الرقمية المتسارعة، مشيرةً إلى أن المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي فرضت أنماطاً جديدة من الكتابة اتسمت بالسرعة والاختصار، الأمر الذي أسهم في انتشار اللهجات العامية واللغة الهجينة التي تمزج بين العربية والمفردات الأجنبية والرموز الرقمية، حتى تراجع حضور اللغة العربية الفصحى في كثير من الخطابات اليومية، ولا سيما بين فئة الشباب.
كما أوضحت أن هذا التحول لا ينبغي النظر إليه باعتباره ظاهرة سلبية بصورة مطلقة، إذ إن اللغات الحية بطبيعتها تتطور بتطور المجتمعات وأدوات التواصل، إلا أن مصدر القلق الحقيقي يتمثل في تحول الاختصار إلى بديل عن البيان، والعامية إلى بديل عن الفصحى، وهو ما يؤدي إلى إضعاف الملكة اللغوية، وتراجع الذائقة الأدبية، وتعريض الهوية الثقافية العربية إلى التآكل التدريجي مع مرور الوقت، كما أن اللغة العربية تحمل إرثا علميا وحضاريا عريقا امتد عبر قرون طويلة، الأمر الذي يجعل مسؤولية الحفاظ عليها مسؤولية جماعية لا تقتصر على المؤسسات التعليمية وحدها، وإنما تمتد لتشمل الأسرة، ووسائل الإعلام، وصناع المحتوى الرقمي، والمؤسسات الثقافية، وجميع الجهات المعنية ببناء الوعي اللغوي والثقافي لدى الأجيال الجديدة. وشددت الجدوع على أن المطلوب اليوم ليس الوقوف في مواجهة التكنولوجيا أو رفض التحول الرقمي، وإنما استثمارهما في خدمة اللغة العربية، من خلال إنتاج محتوى عربي رصين يجمع بين الأصالة والابتكار، ويخاطب الشباب بلغة عصرية تحافظ في الوقت نفسه على سلامة العربية وقواعدها وجمالها، بما يعزز حضورها في الفضاء الرقمي ويرسخ مكانتها بين اللغات العالمية، وعلى أن مستقبل اللغة العربية لن تحدده المنصات الرقمية بقدر ما تحدده إرادة أبنائها في ترسيخها لغة للعلم والثقافة والإبداع.
من جهتها، أكدت الدكتورة كوثر محمد العيد، استشارية الصحة العامة ورئيسة جمعية أصدقاء الصحة، أن الثورة الرقمية أحدثت تحولا كبيرا في أساليب التواصل بين الأفراد، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية، ولا سيما لدى فئة الشباب، الأمر الذي أسهم في انتشار استخدام اللهجات العامية والاختصارات واللغة الهجينة التي تمزج بين العربية والإنجليزية، وهو ما يفتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول مستقبل اللغة العربية في ظل هذا التحول المتسارع.
وأوضحت أن تطور وسائل التواصل يعد أمرا طبيعيا، وأن اللغات بطبيعتها تتطور وتتأثر بالمتغيرات الاجتماعية والتقنية، إلا أن هذا التطور يجب ألا يكون على حساب سلامة اللغة العربية ومكانتها، مشيرةً إلى أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل تمثل وعاء للهوية والثقافة والتاريخ، وهو ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية مجتمعية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية.
وأضافت أن التعامل مع المنصات الرقمية لا ينبغي أن يكون من خلال رفضها أو مقاومتها، وإنما عبر استثمارها في خدمة اللغة العربية، وذلك بإنتاج محتوى عربي جذاب وهادف، وتشجيع القراءة والكتابة باللغة العربية الفصحى، خاصةً في المناسبات الرسمية والمحتوى التوعوي والثقافي، مع تقبل استخدام اللهجات العامية في سياقاتها الاجتماعية الطبيعية دون أن تحل محل اللغة العربية السليمة في مجالات التعليم والإعلام والمعرفة.
بينما رأت المستشارة الإعلامية الدكتورة سناء الخالدي أن المنصات الرقمية أسهمت في إحداث تغيرات واضحة في أساليب التعبير لدى فئة الشباب، حيث برزت العامية والاختصارات السريعة واللغة الهجينة التي تمزج بين العربية والمصطلحات الأجنبية أو الحروف اللاتينية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التحولات تمثل تطورًا طبيعيا للغة حية تواكب العصر، أم أنها تشكل تهديدا لأصالة اللغة العربية وهويتها الثقافية؟.
وأوضحت أن التغير سنة من سنن الحياة، وأن اللغة لم تكن كيانا جامدا، بل اتسمت عبر تاريخها بالمرونة والقدرة على التطور والتكيف مع المتغيرات، مؤكدةً أن تطور أدوات التواصل الرقمي فرض أنماطًا جديدة تتسم بالإيجاز والسرعة، وهو أمر لا يمس جوهر اللغة ما دامت قواعدها ومكانتها محفوظة. وقالت إن مصدر القلق الحقيقي يتمثل في تنامي ضعف التعبير السليم، وتراجع الدقة اللغوية، وتآكل الثروة اللفظية عندما تصبح العامية والرموز والاختصارات هي اللغة السائدة في مختلف السياقات دون تمييز، وهو ما قد يؤثر في مستوى الإتقان اللغوي لدى الأجيال الجديدة ويضعف ارتباطها باللغة العربية الفصحى، وأن الرؤية المتوازنة تقتضي الجمع بين المرونة في التواصل اليومي والحفاظ على معايير اللغة العربية وقيمتها الحضارية. 
من جانبها، أكدت الدكتورة خديجة السعيدي، من المغرب، أن الاعتقاد السائد بأن اللغة العربية الفصحى تحضر تلقائيا بمجرد الإمساك بالقلم لا يزال يحمل قدرا كبيرا من الصحة، إلا أن الواقع يفرض اليوم قراءة جديدة لطبيعة اللغة بوصفها كائنا حيا يتطور مع تطور وسائل التواصل، مشيرةً إلى أن هذا التطور لا يعني التخلي عن أصول اللغة أو التفريط في نظامها وقواعدها، كما أن المنصات الرقمية أفرزت أنماطًا جديدة من التعبير تقوم على السرعة والاختصار، وهو ما أسهم في انتشار اللهجات العامية، وظهور الكتابة الهجينة التي تمزج العربية باللغات الأجنبية والرموز، حتى أصبحت الاختصارات الرقمية جزءا من الخطاب اليومي لدى شريحة واسعة من الشباب، وأن هذه الظواهر لا تعد في حد ذاتها دليلًا على تراجع اللغة العربية، وإنما تعكس تحولا في وظائف اللغة وفقا للسياقات التواصلية المختلفة.
وأشارت إلى أن مصدر القلق الحقيقي يبدأ عندما تمتد هذه الممارسات إلى مجالات المعرفة والتعليم والإنتاج الفكري، فتؤدي إلى إضعاف القدرة على التعبير السليم، وإحداث قطيعة تدريجية مع اللغة العربية الفصحى باعتبارها وعاءً للهوية، وذاكرة للحضارة، وأداةً للتفكير الدقيق، مؤكدةً أن المشكلة لا تكمن في استخدام العامية أو الاختصار في مواضعهما الطبيعية، وإنما في إحلالهما محل الفصحى في المجالات التي تتطلب الدقة والبيان. 
وأوضحت ثريا جعفر الصفار، من دولة قطر، أن للكتاب الورقي سحرا خاصا لا يمكن أن تضاهيه وسائل القراءة الرقمية، مؤكدةً وجود تباين كبير بين القراءة عبر الشاشات وبين مطالعة الكتب الورقية واقتنائها، سواء من حيث جودة المحتوى اللغوي أو عمق التجربة القرائية التي تمنحها للقارئ. وقالت إن النصوص الرقمية غالبا ما تكون أقل جودة من الناحية اللغوية، إذ تتجاهل في كثير من الأحيان القواعد النحوية والأساليب اللغوية السليمة، كما تعتمد بصورة أساسية على المفردات المبسطة والمحتوى القصير الذي يفرضه إيقاع المنصات الرقمية، وهو ما ينعكس على مستوى الفهم والاستيعاب، ويحد من قدرة القارئ على التفاعل العميق مع النص. وأضافت أن القراءة الرقمية، إلى جانب تأثيرها في جودة اللغة، ترتبط أيضا بعدد من الآثار الصحية الناتجة عن الاستخدام المطول للأجهزة الذكية وشاشاتها، في حين يظل الكتاب الورقي أكثر راحة ومتعة، ويوفر تجربة معرفية وإنسانية مختلفة تمنح القارئ مساحة أكبر للتركيز والتأمل. وأكدت الأستاذة هيفاء عدوان أن اللغة العربية تمثل الركيزة الأساسية للهوية الثقافية والحضارية، وأنها ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وعاء للفكر والمعرفة ومرآة لتاريخ الأمة وتراثها، مشيرةً إلى أن ما تشهده المنصات الرقمية من انتشار واسع للعامية والاختصارات واللغة الهجينة يفرض تحديات حقيقية، لكنه في الوقت نفسه يفتح آفاقًا جديدة أمام تعزيز حضور العربية إذا أُحسن استثمار هذه الوسائل، وأن التطور التقني بطبيعته يؤثر في أساليب التواصل، وأن تغير أنماط الكتابة يعد أمرًا طبيعيًا في ظل الثورة الرقمية، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يأتي على حساب سلامة اللغة العربية الفصحى أو يقلل من مكانتها في التعليم والإعلام والثقافة والإنتاج المعرفي، مؤكدة أن الحفاظ على الفصحى مسؤولية جماعية تتشارك فيها الأسرة، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، وصناع المحتوى. وأضافت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استخدام اللهجات العامية أو الاختصارات في الحياة اليومية، وإنما في تحولها إلى البديل الرئيسي للفصحى، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع مهارات القراءة والكتابة لدى الأجيال الجديدة، وإضعاف ارتباطهم بلغتهم الأم، وهو ما يستدعي تكثيف الجهود لنشر محتوى عربي رصين يجمع بين جودة اللغة وجاذبية الطرح بما يواكب اهتمامات الشباب.
وشددت عدوان، على أن المنصات الرقمية يمكن أن تتحول إلى قوة داعمة للغة العربية من خلال المبادرات الثقافية والتعليمية، وتشجيع القراءة والكتابة والإبداع باللغة العربية، وإبراز ثرائها وقدرتها على مواكبة التطورات العلمية والتقنية، مؤكدة أن اللغة العربية تمتلك من المرونة والثراء ما يؤهلها للبقاء حاضرة في مختلف مجالات المعرفة.


تابعنا على
تصميم وتطوير