رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
ضجيج السياسة وصمت المواطن


المشاهدات 1071
تاريخ الإضافة 2026/08/10 - 10:59 PM
آخر تحديث 2026/08/11 - 1:53 PM

منذ سنوات، أصبحت أبدأ يومي بالطريقة نفسها. أفتح شاشة الهاتف، فأجد سيلًا من الأخبار السياسية يتدفق بلا توقف. تصريحات، مؤتمرات صحفية، اجتماعات، خلافات، تحالفات، بيانات، وردود على بيانات، حتى يخيل إليّ أحيانًا أن السياسة أصبحت الهواء الذي نتنفسه. وما إن أغلق الهاتف وأخرج إلى الشارع، حتى أجد مشهدًا مختلفًا تمامًا. في الطريق إلى عملي، لا يتحدث سائق سيارة الأجرة عن آخر اجتماع سياسي، بل عن ارتفاع الأسعار. البائع في السوق لا يناقش تشكيل الحكومات، بل يشكو من ضعف حركة البيع. الموظف يفكر في راتبه الذي يتآكل أمام غلاء المعيشة، والطالب يحمل حقيبته الجامعية وهو يتساءل عن مستقبله بعد التخرج، ورب الأسرة يحسب في ذهنه كيف سيقسم راتبه بين إيجار المنزل، وأقساط الدراسة، ومصاريف الحياة التي لا تتوقف عن الارتفاع , هنا أدرك أن هناك عالمين يسيران في البلد نفسه؛ عالمًا تمتلئ فيه الشاشات بالضجيج السياسي، وعالمًا آخر يعيش فيه المواطن بصمت، يحاول أن يتجاوز يومه بأقل الخسائر الممكنة.
لقد أصبح المواطن العراقي خبيرًا في التفريق بين ما يُقال وما يعيشه. يسمع الوعود، لكنه ينتظر الأفعال. يتابع المؤتمرات، لكنه يعود لينظر إلى شارع ما زال بحاجة إلى خدمة، ومدرسة تحتاج إلى صيانة، ومستشفى ينتظر تطويرًا، وشاب يبحث عن فرصة عمل، وأسرة تحاول أن تحافظ على استقرارها وسط تحديات الحياة، وكلما جلست في أحد المقاهي الشعبية، وجدت أن أحاديث الناس تغيرت. لم يعد أغلبهم يناقش تفاصيل الصراع السياسي كما كان يحدث في سنوات سابقة، بل أصبح الحديث يدور حول سؤال بسيط: كيف نعيش؟
أحدهم يتحدث عن ابنه الخريج الذي لم يجد عملًا منذ سنوات، وآخر يروي كيف أغلق مشروعه الصغير بسبب الركود، وثالث يقول إن أكثر ما يتمناه هو أن يعيش يومًا هادئًا بعيدًا عن القلق.
هذا الصمت لا يعني أن المواطن فقد اهتمامه بالشأن العام، بل ربما أصبح أكثر واقعية. لقد تعلم من التجارب الطويلة أن يربط السياسة بما تتركه من أثر في حياته اليومية، لا بما يقال على شاشات التلفزيون أو في المؤتمرات الصحفية.
ولعل مواقع التواصل الاجتماعي تقدم صورة واضحة لهذا التحول. فبينما تنشغل الصفحات السياسية بتبادل الاتهامات والتحليلات، تجد المواطن ينشر صورة لشارع يحتاج إلى تأهيل، أو يناشد لإنقاذ مريض، أو يبحث عن فرصة عمل، أو يحتفل بنجاح مشروع صغير بدأه بجهده الشخصي. وكأن المجتمع يقول بطريقة غير مباشرة إن همومه الحقيقية تختلف كثيرًا عن الضجيج الذي يملأ الفضاء الإعلامي. ولا يمكن إنكار أن السياسة جزء أساسي من حياة أي دولة، وأن الاختلاف في الرؤى أمر طبيعي، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الجدل السياسي غاية بحد ذاته، بينما تتراجع الأولويات التي تمس حياة الناس مباشرة. فالمواطن لا يقيس نجاح الخطابات بطولها، وإنما يقيسها بما تضيفه إلى حياته من استقرار وخدمات وفرص. وأثناء تجوالي في شوارع بغداد، كثيرًا ما أراقب الوجوه أكثر من المباني. فالوجوه لا تجيد إخفاء الحقيقة. ترى في عيون الناس رغبة بسيطة لكنها عميقة؛ أن يعيشوا بكرامة، وأن يطمئنوا على مستقبل أبنائهم، وأن يجدوا في نهاية كل يوم سببًا يجعلهم أكثر تفاؤلًا بالغد. ربما لهذا السبب لم تعد السياسة تشغل المواطن كما كانت في السابق، ليس لأنه أصبح غير مبالٍ، وإنما لأنه ينتظر سياسة تقترب من حياته، لا من الشاشات فقط. سياسة تُترجم إلى مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر كفاءة، وطريق أكثر أمانًا، وفرصة عمل تحفظ كرامة الشباب، وخدمة يشعر بها الجميع. لقد علمتنا السنوات الماضية أن الأوطان لا تبنى بكثرة التصريحات، وإنما بقوة الإنجاز. وأن المواطن قد يصبر طويلًا، لكنه لا ينسى من وقف إلى جانبه، ولا من تجاهل معاناته. فالصمت الذي نراه في الشارع ليس علامة رضا، كما أنه ليس علامة يأس بالضرورة، بل هو حالة انتظار... انتظار لأن يسمع المواطن لغة مختلفة، لغة تبدأ من احتياجاته وتنتهي بتحقيقها.
إن العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج بقدر ما يحتاج إلى مساحة أوسع للاستماع إلى الناس. فالأسواق، والجامعات، والمصانع، والمستشفيات، والأحياء السكنية، كلها تمتلك قصصًا تستحق أن تُروى، لأنها تعكس نبض المجتمع الحقيقي، بعيدًا عن صخب المنابر.
وحين نصغي جيدًا إلى هذا الصمت، سنكتشف أن المواطن العراقي لا يطلب المستحيل. إنه يريد دولة يشعر فيها بأن صوته مسموع، وأن جهده مقدر، وأن مستقبله لا يتوقف عند خلاف سياسي أو أزمة عابرة. يريد أن يرى أثر القرار في حياته، لا أن يكتفي بسماع الخبر عنه.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير