
من أكثر التصورات الخاطئة شيوعاً حول المثقف، مساواته بممثل الرأي العام. ففي الفضاء العام، يُنتظر من المثقف عادة أن يعكس، في كل منعطف تاريخي، المشاعر السائدة في المجتمع؛ فيكون أكثر حزناً في المأتم، وأكثر غضباً في لحظة السخط، وأكثر تفاؤلاً في لحظة الأمل من غيره. وأي ابتعاد عن هذا التوقع كثيراً ما يُفسَّر لا بوصفه اختلافاً في مستوى التحليل، بل بوصفه ابتعاداً عن الناس أو لامبالاة بالمعاناة الاجتماعية أو انحيازاً إلى السلطة، فيُلصق به وصف «بارد المشاعر» أو «موالٍ للحكومة» أو «ساكن البرج العاجي» ونحو ذلك. وهكذا لا تُقاس شرعية المثقف بجودة تدخّله المعرفي، بل بمدى تطابق خطابه مع العاطفة الغالبة في المجتمع.
هذا التصور ليس نابعاً من فهم سوسيولوجي لدور المثقف بقدر ما هو نتاج نوع من «الأخلقة» لهذا الدور؛ أخلقة تختزل المثقف من فاعل معرفي إلى ناطق باسم المشاعر العامة. وفي هذه الحالة، يخضع الفكر لذات المنطق الذي يحكم الفعل السياسي الشعبوي أو اقتصاد الانتباه؛ منطق تُقاس فيه قيمة القول لا بقدرته التفسيرية، بل بقدرته على إثارة التعاطف والتأييد والحشد العاطفي. بينما في تقليد علم الاجتماع النقدي، ليس المثقف كائناً خارج المجتمع، ولا خارج السلطة. فغرامشي يضعه ضمن العلاقات الهيمنية؛ وبورديو يشرح موقعه في حقل الإنتاج الثقافي والتنافس على رأس المال الرمزي؛ وفوكو يبيّن أن كل تدخّل نقدي يتشكّل داخل أنظمة الحقيقة وشبكات المعرفة-السلطة. وعلى هذا الأساس، لا يتحدث المثقف من موقع متعالٍ، ولا يملك حقيقة محجوبة عن غيره. وما يميّزه عن سائر الفاعلين ليس نقاءً أخلاقياً، بل طريقة تدخّله في إنتاج المعرفة الاجتماعية وتنظيمها وطرحها كمسألة. فمهمته أن يسلّط الضوء على ما يظل خافياً عن نظر المجتمع، وأن يكشف تعقيدات القضية.
ينبغي إعادة فهم علاقة المثقف بالرأي العام من جديد. فالرأي العام، خلافاً للتصور الشائع، ليس اسماً آخر للحقيقة. فما يُعرف في مرحلة تاريخية معينة بالرأي العام هو نتاج تفاعل قوى متعددة كالذاكرة الجماعية، وآليات الإعلام، وعلاقات السلطة، والتجارب المعيشة، والأطر التفسيرية، والطاقات العاطفية للمجتمع. ومن ثم فالرأي العام ليس أمراً قائماً بذاته، بل ظاهرة اجتماعية وتاريخية معرّضة دوماً لإعادة التشكّل. وتزداد هذه المسألة وضوحاً في الأوضاع الأزموية. فالأزمات عادة ما تقترن بانضغاط الآفاق التفسيرية؛ بحيث يُختزل التعدد الدلالي للعالم الاجتماعي إلى مجموعة من الثنائيات المعيارية: الخير والشر، الصديق والعدو، «منّا» و»من غيرنا»، لتحل محل الشبكة المعقدة من العلاقات والبنى والعمليات الاجتماعية. وفي مثل هذا الوضع، لا يظل الانفعال الجمعي مجرد تجربة نفسية، بل يتحول إلى آلية لتنظيم الفهم الاجتماعي؛ آلية تُقصي التعقيد لصالح اليقين.
قضية المثقف ليست في مسايرته للمجتمع أو عدم مسايرته، بل في علاقته بهذه العملية الاختزالية. فإذا اقتصر تدخّل المثقف على إعادة إنتاج ذات المشاعر المتداولة سلفاً في الفضاء العام، فلن يبقى ثمة فارق بينه وبين سائر منتجي المعنى (السياسي، الشعبوي، المدوّن، صاحب النفوذ...). فما يميّز تدخّل المثقف هو قدرته على إعادة التعقيد إلى ساحة تسيطر عليها اليقينيات. ولهذا فإن المسافة النقدية التي يحافظ عليها المثقف من الانفعال الجماعي ليست علامة على الاغتراب عن المجتمع، بل هي شرط إمكان تحليله.
هذه المسافة، بطبيعة الحال، لا تعني اللامبالاة بالمعاناة الاجتماعية. فالمسألة ليست نفي المشاعر، بل الحيلولة دون أن تصبح المشاعر الأفق الوحيد لتفسير الواقع. والمثقف يبتعد عن دوره المعرفي حين يكتفي، بدل تحليل المعاناة، بإعادة إنتاجها؛ وبدل مسألنة الغضب، بتحويله إلى رأسمال رمزي؛ وبدل فتح آفاق جديدة للفهم، بالمشاركة في ترسيخ الروايات القائمة سلفاً. وفي هذا السياق، زاد الحقل الإعلامي المعاصر من تعقيد المسألة. فقد غيّرت شبكات التواصل الاجتماعي واقتصاد الانتباه آلية توزيع رأس المال الرمزي. ففي هذا الحقل، ما يتمتع بأكبر قابلية للتداول والمشاركة والظهور ليس عادة أدق التحليلات، بل أشد ردود الفعل العاطفية حدّة. ومن هنا، فإن الضغط باتجاه الانسجام مع المشاعر السائدة ليس ضغطاً أخلاقياً أو سياسياً فحسب، بل هو نتاج منطق الحقل نفسه. والمثقف ليس مستثنى من هذا المنطق؛ فهو أيضاً قادر على إعادة إنتاج رأسماله الرمزي عبر طريق التأييد العام. ولهذا السبب بالذات، لا ينبغي النظر إلى استقلالية المثقف كفضيلة أخلاقية، بل كمسألة بنيوية ومعرفية.
والاستقلالية بهذا المعنى ليست خروجاً من حقل السلطة، ولا تحرراً من المصالح الرمزية؛ إذ إن مثل هذا الموقع لا وجود له أصلاً. فالاستقلالية تعني المقاومة في تلك اللحظة التي يحدد فيها منطق الحقل - سواء تجلّى في صورة السلطة السياسية أو الرأي العام أو آليات الإعلام - موضوع التفكير سلفاً. وما يضمن استقلالية المثقف ليس معارضة دائمة للمجتمع ولا مسايرة دائمة له، بل الحفاظ على استقلالية نسبية في الحكم في مواجهة الضغوط البنيوية للحقل.
ويُظهر تاريخ الفكر أن كثيراً من أهم التدخلات الفكرية حدثت بالضبط في لحظات لم تكن فيها منسجمة مع الرأي العام. فلو ظل المثقف دوماً ينتظر موافقة الأغلبية، لما تعرّضت كثير من مسلّمات اليوم للمساءلة إطلاقاً. والفكر النقدي يبدأ بالضبط من استعداد الفرد لدفع ثمن اللاشعبية، دون أن يتنازل عن استقلالية حكمه. وعدم الانسجام مع السلطة الرسمية هو أحد التحذيرات التي توجَّه دوماً للمثقف، لكن الخطر الأساسي ليس مجرد الانسجام مع السلطة الرسمية؛ بل هو الانسجام غير المتأمَّل مع أي خطاب راسخ، حتى لو ظهر ذلك الخطاب في صورة رأي عام أو حركة اجتماعية أو سلطة مضادة. وقد بيّن فوكو مراراً أن السلطة لا تتركز فقط في الدولة أو المؤسسات الرسمية، بل تسري أيضاً في اللغة والإعلام والمعرفة وآليات إنتاج الحقيقة. وبناء عليه، فحيثما يتحصن معنى من النقد ويتحول إلى شعار لا يُسأل عنه، تنشأ هناك بالذات إمكانية علاقة جديدة بالسلطة. من هنا، ينبغي للمثقف أن يعي موقعه هو نفسه قبل نقد المجتمع. وكما يقول بورديو، فإن إعادة التفكير في الموقع الخاص جزء من فعل الاشتغال الفكري ذاته. وعليه أن يسأل نفسه دوماً: من أين أتحدث؟ وأي رأسمال أتاح لي إمكانية الكلام؟ وما الذي لا أستطيع رؤيته بسبب موقعي؟ فبدون هذا النقد الذاتي، يتحول الفكر النقدي ببساطة إلى نوع جديد من السلطة المعرفية. فالمثقف ليس قاضياً خارج المجتمع، ولا قديساً أخلاقياً، ولا ناطقاً باسم الرأي العام. إنه فاعل موقعي داخل شبكات المعرفة والسلطة، ومسؤوليته ليست عكس صورة العالم، بل مسألنته. والمجتمع، من أجل التقدم، أحوج إلى من يبقي إمكانية التفكير حيّة وسط الضجيج الجماعي، منه إلى من يكرر مشاعره فحسب. وإذا اكتفى المثقف بإرضاء المجتمع، فلن يضيف شيئاً إلى الفهم الجماعي، وسيصبح مجرد صدى لصوت سُمع من آلاف مكبرات الصوت قبله. والحقيقة أن السؤال الجوهري ليس ما إذا كان المثقف واقفاً إلى جانب الناس أو في مواجهتهم؛ فهذه الثنائية نفسها نتاج المنطق ذاته الذي يختزل العالم الاجتماعي إلى خيارات بسيطة متقابلة.
المسألة هي: هل يتيح تدخّل المثقف إمكانية جديدة لفهم علاقات السلطة وآليات الهيمنة وتعقيد الشأن الاجتماعي، أم أنه يكتفي بإعادة إنتاج إحدى الروايات المهيمنة؟ فالانسجام مع الرأي العام ليس فضيلة، ولا هو رذيلة؛ تماماً كما أن مخالفته لا تحمل قيمة معرفية في ذاتها.
ما يهم هو استقلالية معيار التفكير عن منطق التأييد الاجتماعي. ومن هنا، لا يمكن قياس المثقف بدرجة شعبيته، أو عدد المؤيدين له، أو شدة التعاطف العام معه. فهذه المعايير تقول عن موقعه في حقل إنتاج رأس المال الرمزي أكثر مما تقول عن جودة تدخّله المعرفي. وإذا كان أفق التفكير سيُحدَّد سلفاً بما يرغب المجتمع في سماعه، فسيختزل الفكر النقدي إلى أحد أشكال إدارة الرأي العام. أما إذا استطاع أن يتيح إمكانية مساءلة تلك المسلّمات ذاتها التي افترضها المجتمع والسلطة، بل والمثقف نفسه، بديهية ومسلَّمة، فسيكتسب تدخّله عندئذ وظيفة سوسيولوجية؛ لا لأنه يمثّل الحقيقة، بل لأنه يحافظ على إمكانية مساءلة ما اعتُبر بديهياً.