رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
جدل الدين والدولة....الإسلام السياسي والصراع على السلطة


المشاهدات 1066
تاريخ الإضافة 2026/08/09 - 10:32 PM
آخر تحديث 2026/08/10 - 7:16 AM

يطرح المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز إشكالية جوهرية: كيف تفسر عودة الديني إلى المجال السياسي في مجتمعات عربية شديدة الانشداد إلى تاريخها، رغم عقود من العلمنة والتحديث؟ يناقش ثلاثة عوامل أوجدت «استغرابًا» لدى المثقفين من هذه العودة: ترسيخ العلمنة في الدولة العربية، ونجاحات الحداثة الاجتماعية والثقافية، ورسوخ تيار كوني نحو تعظيم المادة على حساب الروح.
يرد بلقزيز على هذا الاستغراب بثلاث حقائق جوهرية: واقع التكوين الثقافي للمجتمع العربي حيث تحتل الفكرة الدينية موقعًا مميزًا لم تغيره وقائع التحديث، جوهرية المسألة السياسية في الإسلام التي لم تفعلها الحركات المعاصرة بل هي تالزم تاريخي منذ نشأة الدولة الإسلامية، ووجود أسباب موضوعية سياسية واقتصادية واجتماعية تحمل الناس على استثمار الرأسمال الديني كغياب الديمقراطية والتفاوت الطبقي والفقر والاستبداد.
يؤكد بلقزيز أن هذه العودة ليست مفاجئة أو غريبة، بل هي نتيجة لتفاعل عوامل موضوعية، وأن فهمها يتطلب مقاربة نقدية متوازنة تتجاوز الإدانة الأيديولوجية أو التبرير الانفعالي.يُعد كتاب «الإسلام والسياسة» للمفكر المغربي عبد الإله بلقزيز من أهم المحاولات النقدية لفهم ظاهرة «الإسلام السياسي» في الوطن العربي. ينطلق الكاتب من إشكالية محورية: كيف نفسر عودة الديني إلى المجال السياسي في مجتمعات عربية شديدة الانشداد إلى تاريخها، رغم عقود من العلمنة والتحديث؟ 
يرفض بلقزيز التفسيرات السطحية التي تختزل الظاهرة في «صحوة دينية» مفاجئة، ويسعى إلى تقديم قراءة تاريخية-اجتماعية-سياسية معمقة، تضع الظاهرة في سياقها الموضوعي. يقدم الكتاب نقدًا مزدوجًا للسلطة والمعارضة، ولا يكتفي بالهجاء أو التبرير، بل يسعى إلى فهم الحركات الإسلامية كظاهرة مركبة. يؤكد بلقزيز على ضرورة الفصل بين النص الديني (الوحي) والتاريخ (المسلمون)، ويدعو إلى تجاوز ثنائية الصراع الأيديولوجي نحو مشروع إصلاحي ديني وسياسي شامل.
تتمثل الفكرة المركزية للكتاب في أن الحركات الإسلامية المعاصرة ليست «لسانًا رسميًا» للإسلام، بل هي حركات سياسية تستثمر الرأسمال الديني في الصراع على السلطة، وتعكس تفاعلًا معقدًا بين أزمة الدولة العربية وإخفاق المشاريع الحداثية وغياب البدائل الديمقراطية. يرى بلقزيز أن الإسلام ليس أيديولوجية سياسية، بل عقيدة وثقافة وحضارة، وأن الحركات الإسلامية هي قراءات بشرية للنص، قابلة للنقد والاجتهاد. يؤكد الكاتب أن الفصل بين النص والتاريخ هو ضرورة معرفية وأخلاقية لتجنيب الإسلام تبعات أخطاء الإسلاميين، وتحويل الدين من عقيدة جامعة إلى أيديولوجيا سياسية خاصة بفريق. ويرى أن معركة الإصلاح الديني والسياسي هي المدخل الحقيقي لتجاوز أزمة الفكر السياسي العربي، وأن ذلك يتطلب عودة إلى مشروع الإصلاحية الإسلامية وتحديثه في ضوء متغيرات العصر.
المحور الأول: جدل الدين والدولة 
ينطلق بلقزيز من مفارقة جوهرية حيث يطالب العلمانيون بعلمنة دولة ليست دينية في جوهرها، بينما يدعو الإسلاميون لتطبيق شريعة في دولة مدنية ووضعية. يثبت الكاتب عبر تحليل تاريخي أن النص القرآني خلا من تشريع سياسي محدد، وأن المرجع الوحيد هو تجربة «دولة المدينة» النبوية التي قامت على رابطة مدنية ومواطنة لا على رابطة دينية. استمر الطابع المدني للدولة عبر العصور الإسلامية رغم حاجة السلطة الدائمة إلى شرعنة نفسها بالدين. 
كما تؤكد الدولة العربية الحديثة، رغم حضورها الديني الرمزي، على أسس وضعية وقوانين مدنية مستمدة من الغرب. يخلص بلقزيز إلى أن جدل الفريقين حول الدين والدولة هو جدل أيديولوجي عقيم، وأن الحل يكمن في تحليل العلاقة الفعلية بين المجالين بدلاً من المطالبات المثالية.
المحور الثاني: الاجتهاد والبدعة 
يرفض بلقزيز فرضية انغلاق الإسلام، مؤكداً أن روح الإسلام تقوم على الاجتهاد والتجديد، وأن النصوص القطعية محدودة والباقي مفتوح للتأويل. يعزو تراجع الاجتهاد تاريخياً إلى عوامل سياسية كالفتنة الكبرى وانهيار الخلافة وتفشي الثقافة الدفاعية. يظهر أن الصراع بين «الاجتهاد» و»البدعة» ليس فقهياً محضاً، بل هو صراع معرفي-سياسي حول السلطة والشرعية. يكشف أن من يتهمون المجتهدين بالبدعة يمارسون هم أيضاً تأويلاً للنص، مما يخلق تداخلاً وتناقضاً في خطابهم. يرجع جذور هذا الخلاف إلى صدمة الفتنة في الماضي وصدمة الحداثة في الحاضر، اللتين أنتجتا موقفاً دفاعياً منغلقاً. يخلص إلى أن تجاوز هذا الخلاف يتطلب فتح نقاش موضوعي بعيداً عن التكفير والتبديع، والاعتراف بأن كل قراءة اجتهادية نسبية.
المحور الثالث: الغلو والتكفير 
يعرف بلقزيز التكفير بأنه أيديولوجيا سياسية عنيفة تستخدم لإقصاء الخصوم باسم الدين، وليس مجرد حكم عقائدي. يحلل جذوره في «الفتنة الكبرى» وتطوره عبر الخوارج إلى أشكاله المعاصرة الأكثر خطورة. يرى أن التكفير يقوم على وازعين: سياسي (المصلحة في الإقصاء) ومعرفي (اليقينية المفرطة ورفض التأويل الآخر). ينتقد القراءة الانتقائية للنصوص التي تبرز آيات العنف وتتجاهل آيات التسامح، مما يشوه صورة الإسلام. يكشف أن التكفير يعيد إنتاج «الكليروس» الكهنوتي الذي يناقض جوهر الإسلام التوحيدي القائم على «لا كهانة فيه». يدعو إلى حلف وطني ثقافي لمحاربة ثقافة التكفير، وإعادة الاعتبار لقيم العقل والتسامح والتعايش.
 المحور الرابع: العقيدة والسياسة
يميز بلقزيز بين الإسلام كعقيدة (نظام إيماني) والإسلام كإيديولوجيا اجتماعية (جهاز رمزي للهوية الجماعية). يحلل كيف تحول الإسلام في العصر الحديث من عقيدة جامعة للأمة إلى إيديولوجيا سياسية خاصة بفريق إسلامي واحد. يعزو ظاهرة استثمار المقدس في السياسة إلى أزمة السياسة نفسها وعجزها عن حل تناقضاتها الاجتماعية. يرى أن هذا التحول يحمل خطورة بالغة، إذ يحوّل الدين من عامل توحيد وتضامن إلى عامل تفريق وفتنة داخل الأمة. 
يناقش العلاقة الجدلية بين الإيديولوجيا والسياسة، مؤكداً أن هناك هوة عميقة بين المثال الطوباوي والواقع العملي. يدعو التيار الإسلامي إلى التفكير في مشروع واقعي لما بعد السلطة، بدلاً من الانكفاء على الشعارات الجوفاء.
 المحور الخامس: المشروع السياسي الإسلامي
يرى بلقزيز أن المشروع الإسلامي ولد في حضن إخفاق المشاريع الحداثية (القومية والليبرالية والاشتراكية) التي انهارت أمام الجمهور. يحلل مصادر القوة الشعبوية للخطاب الإسلامي، والتي تتمثل في استثمار الرمز الديني والخطاب الاحتجاجي البسيط سهل النفاذ. يعترف بقوة الحركات الإسلامية في النقد والاحتجاج، لكنه يفضح ضعفها الفادح في تقديم بديل سياسي واقتصادي واقعي. يصف الحركات الإسلامية بأنها «فروعية» لا «أصولية»؛ لأنها تعتمد على الحواشي والمختصرات وتتجاهل الأصول والمقاصد الكبرى. يكشف التشابه المذهل بين فكرة «الطليعة» اللينينية و»الكتيبة المؤمنة» عند سيد قطب، في وحدة النزعة الشمولية رغم الاختلاف الأيديولوجي. يخلص إلى أن المشروع الإسلامي يحتاج إلى مراجعة نقدية شاملة، والخروج من الاحتجاج إلى بناء مجتمعي حقيقي.
 المحور السادس: الإصلاحية والصحوة الإسلامية
يميز بلقزيز بين تيارين متباينين: الإصلاحية النهضوية (محمد عبده والأفغاني) المنفتحة على العصر، والصحوة الحركية (البنا وقطب) المنغلقة على التراث. اتسمت الإصلاحية بالانفتاح الفكري والمصالحة مع العصر، بينما تميزت الصحوة بالانغلاق ورفض كل ما هو خارج النص. كانت الإصلاحية واقعية في إدراكها لميزان القوى، بينما كانت الصحوة طوبوية ترفض الواقع وتصطدم به. اعتمدت الإصلاحية على القلم والتربية الفكرية، بينما اعتمدت الصحوة على السيف والتعبئة السياسية والعمل الحركي. التزمت الإصلاحية بأخلاق الحوار والإصغاء، بينما تمسكت الصحوة بأخلاق التكفير والإقصاء والقطعية. يدعو بلقزيز إلى استئناف مشروع الإصلاحية لإنقاذ الفكر الإسلامي من جمود الصحوة وتطرفها، وإعادة بناء الاجتهاد على أسس سليمة.
المحور السابع: في الإصلاح الديني
يؤكد بلقزيز أن الإصلاح الديني هو المدخل الأساسي لتحقيق النهضة في المجتمع العربي الإسلامي، وأن إخفاقه أدى إلى معاناة العقل الإسلامي. يقارن بين النهضة الأوروبية التي انطلقت من الإصلاح الديني، والنهضة العربية التي تعثرت بسبب إهمال هذا الباب الحيوي. يرى أن الصحوة الإسلامية قد دمرت تراث الإصلاحية، وأحلت الفروعية محل الأصولية، والكهنوتية محل الاجتهاد الحر. يدعو إلى تحيين الإصلاح الديني عبر العودة إلى النص مباشرة دون وسائط، وتحرير المجال الديني من الاحتكار السياسي. يطالب بتطوير الفهم الفكري للنصوص في ضوء متغيرات الزمان والمكان، وتجاوز ثقافة التكفير والتبديع. يرى أن الإصلاح الديني الحقيقي لا يمكن أن يأتي من الإسلام الرسمي أو الحركي، بل من نخبة إصلاحية تجدد المشروع النهضوي بروح نقدية وسطية.
 المغزى الفكري
يكمن المغزى العميق للكتاب في كونه مراجعة نقدية شاملة لظاهرة الإسلام السياسي، تنتقد الإسلاميين والعلمانيين معًا، وتدعو إلى مشروع إصلاحي ديني وسياسي يتجاوز ثنائية الصراع الأيديولوجي. يذكرنا بلقزيز بأن الإسلام ليس أيديولوجيا سياسية، بل عقيدة وثقافة وحضارة، وأن الحركات الإسلامية ليست أكثر من قراءات بشرية للنص، قابلة للنقد والاجتهاد. 
كما يذكرنا بأن أزمة الفكر السياسي العربي ليست أزمة دين أو علمانية، بل أزمة دولة ومجتمع ومعرفة، وأن حلها يتطلب إصلاحًا شاملاً يبدأ من إصلاح الدين، ويمر بإصلاح السياسة والاقتصاد والتعليم. يقدم الكتاب تحذيرًا من تحويل الدين إلى أداة سياسية، ومحذّرًا من أن استثمار المقدس في الصراع على السلطة يحوّله من عامل توحيد وتضامن إلى عامل تفريق وفتنة. ويؤكد أن النهضة العربية والإسلامية تظل رهينة بقدرة النخب الإصلاحية على تجديد الفكر الديني وتحريره من احتكار التيارات المتطرفة، وإعادة بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على العقل والعدالة واحترام التنوع.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير