رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
ألطاف الله في طريق الموت


المشاهدات 1096
تاريخ الإضافة 2026/08/09 - 10:29 PM
آخر تحديث 2026/08/10 - 7:12 AM

لو تُرك لعلي كاظم، صاحب السيرة الذاتية « الرحلة إلى سين»، أن يختار مسار حياته ومهنته، لاختار طريقاً آخر، وربما مهنة أخرى. لكن الأقدار كثيراً ما ترسم للإنسان دروباً لم تخطر له على بال، فتأخذه من محطة إلى أخرى، ومن مدينة إلى مدينة، في رحلة تتقاطع فيها المصادفات مع المعجزات الصغيرة، ويصبح النجاة فيها أقرب إلى الكرامة منها إلى الصدفة.
يحكي علي كاظم، الإعلامي والرياضي وضابط الجنسية السابق، تفاصيل رحلة مثيرة بدأت من السليمانية، ومرّت بسوريا، وانتهت في السويد، حتى ليبدو أن حرف السين الذي تبدأ به أسماء هذه المحطات كان يرسم خيوط قدره، ومسيرة حياة كاد أن يفقدها أكثر من مرة. فبعد أحداث حرب الخليج الثانية، وجد نفسه وسط ظروف بالغة الخطورة، ولولا حسن معاملته لأهالي السليمانية، وتفانيه في تسهيل شؤونهم اليومية أثناء عمله في مديرية الجنسية والأحوال المدنية، لما قيّض الله له أشخاصاً من جيرانه وأصدقائه ومراجعيه السابقين، ردّوا له الجميل في أصعب اللحظات، وأنقذوه من مواقف كانت كفيلة بأن تودي بحياته، فقد أبقى يقينه العميق بألطاف الله جذوة الأمل مشتعلة في نفسه، وهو المؤمن بقول الشاعر محمد بن حيّوس الدمشقي: «من عفَّ عن ظلمِ العباد تورعاً… جاءته ألطافُ الإله تبرعاً». ولم تتوقف الألطاف عند تلك المحنة، بل رافقته في رحلة اللجوء الطويلة إلى السويد، بعد سلسلة من المخاطر بدأت بالحصول على تأشيرة دخول إلى إقليم كوسوفو، ثم الانضمام إلى مجموعة من اللاجئين، أغلبهم من الألبان، ليسلكوا مع مهرّبين محترفين ما كان يُعرف بـ»طريق الموت»، ساروا ليالي طويلة بين غابات كوسوفو المظلمة باتجاه صربيا، ثم عبروا سيراً على الأقدام إلى كرواتيا، ومنها إلى سلوفينيا، حتى وصلوا إلى إيطاليا، حيث قضوا ليلة قاسية على أرصفة محطة قطارات روما، بين المشردين والسكارى، قبل أن يواصلوا رحلتهم إلى فرانكفورت، ليتم احتجازهم في مخيم للاجئين. لكن الرحلة لم تنته هناك، فقد تمكن علي، برفقة صديقين، من مغادرة المخيم خلسة، ليلتقوا بمهرّب آخر تولّى إيصالهم عبر الحدود الدنماركية، وصولاً إلى مدينة مالمو السويدية، حيث انتهت رحلة العذاب، وبدأت رحلة جديدة عنوانها البحث عن وطن يمنحهم الأمان، وحياة تستحق أن تُعاش.
لعل أجمل ما في هذه السيرة أنها لا تروي حكاية لاجئ فحسب، بل تروي كيف يمكن للخلق الحسن، والمعاملة الطيبة، أن تتحول في لحظة الشدة إلى أسباب للنجاة، فلو كان الإنسان يختار قدره، لما غادر علي كاظم بغداد التي أحبها عشقاً، ولم يفكر يوماً في أن يستبدلها بوطن آخر، لكن للحياة أحكامها، وللقدر مساراته التي لا يستأذن فيها أحداً. وهكذا أصبحت « الرحلة إلى سين» أكثر من قصة هجرة، إنها شهادة إنسانية على أن ألطاف الله قد تأتي من حيث لا يحتسب الإنسان في رحلته الطويلة على طريق الموت، وأن المعروف الذي يزرعه في أيام الرخاء قد يكون طوق نجاته في أيام الشدة.


تابعنا على
تصميم وتطوير