رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
ضـــجيـج بـــلا وعـــي


المشاهدات 1052
تاريخ الإضافة 2026/08/08 - 10:11 PM
آخر تحديث 2026/08/09 - 6:29 AM

 عندما تتكلم الضوضاء، يصبح الصمت أحياناً أكثر وضوحاً من الكلمات، وتتحول بعض الأصوات المرتفعة إلى محاولة لملء الفراغ قبل ظهور الحقيقة. في السياسة، لا تُصنع الأحداث عبثاً، فبعضها يتحرك وفق مصالح واتجاهات محددة، وبعضها الآخر يُعاد تقديمه بصياغات تخدم أهدافاً سياسية تحت عناوين براقة مثل “كشف الحقيقة” أو “حق الجمهور في المعرفة”.
تبدو السياسة أحياناً وكأنها مسرح واسع، غير أن بعض الأطراف تفضل الظهور خلف الستار أكثر من الوقوف تحت الأضواء. تتوالى التسريبات، وتتعدد الروايات، ويصبح الخبر مادة قابلة للتعديل والتأويل قبل أن يصل إلى المواطن. وبين من يرفع شعار الشفافية ومن يبحث عن التأثير في الرأي العام، تختلط الحسابات السياسية بالمنافسات، فتتحول بعض الملفات إلى أدوات للصراع، ويجد المجتمع نفسه أمام سيل من المعلومات المتضاربة التي يصعب الفصل فيها بين الحقيقة والهدف من طرحها.
الأخطر من تداول المعلومات هو استخدام القلق والخوف كوسيلة ضغط، عبر التهويل المستمر بالأزمات والتهديدات الاقتصادية أو الأمنية، لأن صناعة الخوف تضعف ثقة المواطنين بمؤسسات دولتهم وتربك الاستقرار أكثر مما تخدم الوصول إلى الحقيقة. فالرأي العام عندما يُبنى على القلق المستمر يصبح أكثر قابلية للتأثر بأي رواية، حتى قبل اكتمال تفاصيلها.
في السياسة العراقية، لا توجد أسرار تبقى مخفية إلى الأبد، فالأحداث تكشف الكثير مع مرور الوقت، وما لا يُعلن اليوم قد توضحه الوقائع لاحقاً. إلا أن إدارة الدولة لا يمكن أن تتحول إلى عرض إعلامي يكشف فيه كل ملف في لحظته، فهناك قضايا تتعلق بالأمن الوطني والمصلحة العليا تحتاج إلى قدر من السرية لحماية الدولة ومؤسساتها. الخلط بين السرية المشروعة والتعتيم المتعمد يفتح الباب أمام صناعة الشك، لأن إضعاف الثقة يبدأ غالباً من نشر الإحساس بعدم الاستقرار.
هذه الظاهرة لا تخص العراق وحده، فالدول الأخرى تواجه المعادلة نفسها بين حق المجتمع في المعرفة وضرورة حماية الملفات الحساسة. حتى الدول ذات الأنظمة الديمقراطية الراسخة تحتفظ بمعلومات أمنية واستراتيجية بعيداً عن التداول العام لفترات معينة، وتوجد مؤسسات رقابية وقانونية تراقب هذا التوازن بين الشفافية ومتطلبات الأمن القومي.
يبقى السؤال: لماذا تُستخدم بعض الملفات الحساسة في المعارك السياسية؟ هل الهدف كشف حقائق يحتاجها المجتمع؟ أم أنها أدوات للاستهداف والتسقيط السياسي؟ أم وسيلة لإثارة الذعر وإرباك المواطن؟ ومن المسؤول عن وضع الحدود بين حرية التعبير وبين نشر معلومات قد تؤثر في أمن البلد واستقراره؟ وهل يتحمل من يصنع الضجيج مسؤولية النتائج التي قد تترتب على خطابه؟
هذا الحديث لا يأتي دفاعاً عن جهة أو نفياً أو تأكيداً لرواية معينة، وإنما محاولة لطرح سؤال أكبر حول طريقة إدارة المعلومات في وقت  بدأت  فيه المعلومة سلاحاً سياسياً. فالدولة تحتاج إلى شفافية تحمي ثقة المواطن، وتحتاج أيضاً إلى خصوصية أمنية تحمي مصالحها. وعندما يصبح الضجيج أعلى من الحقيقة، يبقى المجتمع هو الطرف الذي يدفع ثمن الفوضى المعلوماتية. فهل نحن أمام بحث حقيقي عن الحقيقة، أم أمام معركة جديدة عنوانها من يملك القدرة على صناعة القلق ؟.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير