
مشاهدات وتحليل / محمد عماد زبير
مع ساعات الصباح الأولى، وبينما كنا نستعد للتوجه إلى الملعب، بدأت هواتفنا تمتلئ بصور ومقاطع فيديو لمشاهد يصعب تصديقها.
الجالية العراقية في تورنتو خرجت في مسيرة جماهيرية ضخمة جابت شوارع وسط المدينة (الداون تاون)، في لوحة وطنية أستطيع أن أجزم بأن تورنتو لم تشهد لها مثيلاً من قبل.
كانت الأعلام العراقية تملأ الشوارع، والهتافات تصدح في كل زاوية، والسيارات تتوقف لتوثيق المشهد، بينما احتشد الآلاف في مسيرة لم تكن مجرد تجمع رياضي، بل إعلاناً عن حضور العراق في أكبر محفل كروي في العالم.
ولم يقتصر صدى هذه المسيرة على الجماهير وحدها، بل سارعت القنوات الكندية والصحف المحلية الإلكترونية ومواقع التواصل إلى نقلها، وتصدرت صورها منصات التواصل الاجتماعي، لتصبح حديث المدينة في ذلك اليوم.
الأجمل أن بعض هذه المشاهد وصلت إلى معسكر المنتخب الوطني قبل ساعات من المباراة، وكانت كفيلة بأن تمنح اللاعبين دفعة معنوية كبيرة وهم يستعدون لخوض آخر مبارياتهم في دور المجموعات.
خلف الكواليس
وصلت إلى ملعب المباراة مبكراً، واتجهت أولاً إلى المركز الصحفي، حيث وضعت معدات العمل في الخزانة المخصصة للإعلاميين، قبل أن أتوجه إلى بوابة كبار الشخصيات.
كنت قد تلقيت دعوة لحضور المباراة ضمن ضيوف الـVVIP، وهو ما أتاح لي التواجد بالقرب من رئيس الاتحاد العراقي لكرة القدم يونس محمود، وأعضاء المكتب التنفيذي، إلى جانب عدد من أعضاء السفارة العراقية.
لكن قبل الوصول إلى المنصة، شدّ انتباهي مشهد مختلف خلف كواليس الملعب.
كان مئات المتطوعين يخضعون لتدريب أخير قبل انطلاق المباراة، استعداداً للدخول إلى أرضية الملعب حاملين علمي العراق والسنغال، في اللوحة التي اعتاد جمهور كأس العالم مشاهدتها قبل كل مباراة.
توقفت بينهم لبعض الوقت، ووثقت تدريباتهم بعدسة الكاميرا، قبل أن أسأل أحد المشرفين عن عدد الأشخاص الذين يحملون كل علم.
ابتسم وقال:
“مئتا متطوع لكل علم.”
عندها أدركت حجم التفاصيل التي تقف خلف دقائق قليلة يشاهدها الملايين على شاشات التلفاز.
كرنفال المونديال
مع اقتراب موعد البداية، بدأ الملعب يتحول إلى كرنفال عالمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ارتدى لاعبو العراق القميص الأخضر هذه المرة، بينما صدحت جماهيرنا بالنشيد الوطني “موطني” بأعلى الأصوات، في مشهد اختلطت فيه الحناجر بالدموع والفخر.
لم يكن أحد يتحدث كثيراً عن حسابات التأهل.
الجميع كان يعلم أن المهمة أصبحت معقدة، خصوصاً مع الأخبار التي سبقت المباراة وأكدت غياب اثنين من أهم ركائز الخط الأمامي، أيمن حسين ومهند علي، وهو ما زاد من صعوبة المواجهة أمام منتخب قوي مثل السنغال.
ومع ذلك، لم يكن ما ينتظره الجمهور معجزة كروية، بقدر ما كان يبحث عن مباراة تليق باسم العراق، وعن أداء يترك انطباعاً أخيراً يبعث على الفخر.
بداية صعبة
لكن البداية جاءت عكس كل الأمنيات، استقبلت شباك العراق هدفاً مبكراً، قبل أن تتعقد الأمور أكثر مع طرد ريبين سولاقا في الدقيقة العاشرة، ليجد الجهاز الفني نفسه مضطراً لإجراء تبديل مبكر بخروج أحمد قاسم ودخول مناف يونس لإعادة التوازن الدفاعي.
في تلك اللحظة، اعتقد كثيرون أن المباراة انتهت عملياً، لكن ما حدث بعد ذلك كان مفاجئاً.
رغم النقص العددي، لعب المنتخب العراقي بثقة كبيرة، ونجح لاعبوه في تبادل الكرة بهدوء، وفرضوا شخصيتهم على فترات من المباراة، حتى بدا وكأن الفريق هو من يمتلك الأفضلية العددية.
أتذكر جيداً أنني التفت إلى بعض الجالسين بقربي في المنصة وقلت لهم:
“الغريب أن شكل المنتخب أصبح أفضل بعد حالة الطرد.”
كان اللاعبون يقاتلون على كل كرة، ويرفضون الاستسلام، في واحدة من أكثر الصور شجاعة التي قدمها المنتخب في البطولة، لكن كرة القدم… كانت تخبئ للعراق فصلاً آخر.
ومع انطلاق الشوط الثاني، حدث ما لم يكن يتمناه أحد…
حكاية سأروي تفاصيلها في الحلقة القادمة.