
استهل نادي السرد في الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق إحدى جلساته الثقافية بالترحيب بالقاص والروائي والإعلامي كاظم جماسي، وسط حضور من الأدباء والكتّاب والمهتمين بالشأن السردي.
وأدار الجلسة القاص والروائي خالد ناجي الذي وصف جماسي بأنه أديب استثنائي، مؤكداً أن مكانته لا تستند إلى منجزه الإبداعي فحسب، بل إلى ما يحظى به من محبة وتقدير بين الوسط الثقافي العراقي، قبل أن يقرأ نبذة من سيرته الإبداعية والمهنية.
وأشار إلى أن جماسي من مواليد بغداد عام 1959، وعمل في مؤسسات إعلامية عدة، منها قنوات العراقية والسومرية والحرية، وتولى مسؤوليات صحفية وثقافية متعددة، فضلاً عن عضويته في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. كما استعرض أبرز إصداراته، ومنها كتاب «رؤى وأفكار في السرد العراقي المعاصر»، والمجموعة القصصية لغو لا أكثر ، وكتاب عراق آخر ، والمجموعة القصصية «كما لو أننا نولد للتو»، إضافة إلى كتابته سيناريوهات عدد من الأفلام الوثائقية التي نالت جوائز في مهرجانات عربية ودولية.
شهادة إبداعية تستعيد رحلة التكوين
بعد الترحيب، قدّم كاظم جماسي شهادة أدبية بعنوان «غوايات القص وحتوفه»، استعاد فيها البدايات الأولى لتكوينه الإبداعي، متوقفاً عند اللحظات التي تشكل فيها وعيه بالكتابة بوصفها قدراً أكثر منها اختياراً.
ورسم الكاتب صورة شعرية مكثفة عن الإنسان الذي يجد نفسه منذ اللحظة الأولى محاطاً بالأصوات والهواجس والأسئلة الوجودية، معتبراً أن تلك الهسيسات الأولى كانت المنبع الذي قاده تدريجياً نحو عالم السرد، حيث تتحول التجربة الإنسانية إلى مادة للحكي، ويتحول الألم إلى فعل جمالي.
غوايات الفن والبحث عن الجمال
وتوقفت الشهادة عند المراحل التي سبقت انحياز الكاتب النهائي إلى القصة، إذ تحدث عن انجذابه المبكر إلى الرسم واللون، وعدّهما محاولتين أوليين لفهم العالم وتجميل قسوته، قبل أن يكتشف أن اللغة تمتلك قدرة أعمق على النفاد إلى جوهر الأشياء.
وأوضح أن الفن بمختلف أشكاله كان يمثل بالنسبة إليه وسيلة لمواجهة قبح الواقع، وأن اللون والرسم مهدا الطريق أمام الكلمة التي أصبحت لاحقاً أداته الرئيسة في التعبير عن الإنسان وأسئلته.
اللغة المكثفة بوصفها جوهر السرد
وأفرد جماسي جانباً مهماً من شهادته للحديث عن اللغة، مؤكداً أن الاقتصاد اللغوي وكثافة التعبير يمثلان أحد أهم أسرار الكتابة الإبداعية، مستشهداً بمقولة الجاحظ عن البلاغة، ومبيناً أن الوصول إلى العبارة المكثفة ليس أمراً يسيراً، بل هو ثمرة تهذيب طويل للنص، واختبار دائم لقدرة اللغة على حمل المعنى بأقل عدد من الكلمات.
وأشار إلى أن السرد، رغم حاجته إلى الوصف والتفاصيل، يظل مطالباً بالموازنة بين الإيجاز والإيحاء، بما يمنح النص عمقه الفني دون إفراط أو ترهل.
القصة ملاذ الإنسان في مواجهة الاغتراب
وفي أحد أكثر مقاطع الشهادة كثافة، تحدث جماسي عن القصة بوصفها عزاءً للإنسان في مواجهة العزلة والاغتراب، معتبراً أن الآلام تصبح أكثر احتمالاً عندما تتحول إلى حكاية، وأن الكتابة تمنح الإنسان فرصة لبناء واقع موازٍ يستطيع من خلاله مقاومة استلاب الواقع المفروض عليه.
وأكد أن الطريق إلى القصة لم يكن سهلاً، بل امتلأ بالمكابدة والتجارب القاسية، إلا أن الإيمان بفن السرد ظل القوة التي تدفعه إلى مواصلة الكتابة.
أسلاف السرد وتأثيرهم في التجربة
وتناول الكاتب أسماء عدد كبير من الرواد الذين تركوا أثرهم في تكوينه الفني، مستحضراً تجارب عراقية وعربية وعالمية، من بينهم فؤاد التكرلي وأنطون تشيخوف ونيقولاي غوغول وإرنست همنغواي وجيمس جويس ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وزكريا تامر ، إلى جانب عدد من كتّاب القصة العراقيين الذين عدّهم علامات أساسية في تطور السرد العراقي.
وأشار إلى أن هؤلاء المبدعين أسهموا في ترسيخ فهمه لفن القصة، وأن تجربته الشخصية لم تنفصل يوماً عن هذا الإرث الإبداعي الواسع.
الصدق بوصفه القيمة العليا للكاتب
واختتم جماسي شهادته بالتأكيد أن الكاتب لا يستطيع أن يبلغ جوهر القصة إلا إذا تحلى بالصدق مع نفسه ومع الحياة، معتبراً أن الصدق هو الفضيلة التي تمنح النص حياته الحقيقية، وأن القصة لا تفتح أبوابها إلا لمن يكتب بضمير حر بعيداً عن المجاملة أو الخضوع أو المساومة.
ودعا الكتّاب الشباب إلى الإصغاء للحياة والتأمل في تفاصيلها، وعدم التفريط بزمن العمر في المهادنة، لأن الإبداع الحقيقي يبدأ من الصدق وينتهي إليه.
تمهيد للمداخلات النقدية
عقب انتهاء الشهادة، أشار مدير الجلسة إلى وصول ورقة نقدية من مدينة الموصل بعث بها الأستاذ عصام غانم تناول فيها المجموعة القصصية كما لو أننا نولد للتو ، موضحاً أنه آثر تأجيل قراءتها إلى وقت لاحق حفاظاً على تسلسل الجلسة.
بعد ذلك دعا الباحث والناقد الدكتور ناجح المعموري إلى المنصة لإلقاء مداخلته النقدية، مستهلاً حديثه بتوجيه الشكر إلى مدير الجلسة وإلى القاص كاظم جماسي، لتبدأ بذلك المرحلة الثانية من الجلسة التي خُصصت للقراءات النقدية والحوار حول تجربته الإبداعية.
ناجح المعموري يقرأ المجموعة القصصية
«من بوابة الميثيولوجيا ورمزية المرأة»
استهل الباحث والناقد الدكتور ناجح المعموري مداخلته بالإشارة إلى أن هذه تعد من مشاركاته الأولى في جلسات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، معرباً عن سعادته بالمشاركة في الاحتفاء بالقاص كاظم جماسي، ومشيداً بجهود إدارة نادي السرد في تنظيم الجلسة.
وتوقف المعموري عند الإهداء الذي افتتح به جماسي مجموعته القصصية كما لو أننا نولد للتو إلى زوجته سليمة، معتبراً أن هذه المبادرة تحمل دلالة إنسانية وثقافية لافتة، لأنها تمنح المرأة حضورها الصريح باسمها، خلافاً لما درجت عليه التقاليد الاجتماعية التي كثيراً ما تُغيّب اسم المرأة خلف أوصاف عامة، مؤكداً أن هذا الإهداء يمثل احتفاءً بالمرأة بوصفها شريكاً في الحياة والإبداع.
وأشار إلى أن المجموعة، الصادرة عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، تكشف عن مشروع روائي وسردي ما يزال قابلاً للتطور، معرباً عن أمله في أن يواصل جماسي إنجاز مشروعه الروائي رغم ما يحيط به من ضغوط حياتية وإنسانية.
شهادة تمزج الشعر بالفلسفة
ورأى المعموري أن الشهادة التي قرأها جماسي خلال الجلسة تجاوزت حدود السيرة الذاتية التقليدية، إذ امتزج فيها الحس الشعري بالتأمل الفلسفي، مستحضراً مقدمة الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه التي ترجمها الشاعر سركون بولص، ومشيراً إلى أن ريلكه كان من الشعراء الذين امتلكوا رؤية فلسفية عميقة انعكست في كتاباتهم.
وأوضح أن جماسي استوعب تلك الرؤية وأعاد إنتاجها بطريقته الخاصة، من خلال النظر إلى العالم بوصفه منظومة من العلامات التي ينبغي على المبدع أن يصغي إليها، سواء في الطبيعة أو الإنسان أو تفاصيل الحياة اليومية.
جان دمو والصعلكة بوصفها موقفاً فكرياً
وتوقف الناقد عند النصوص التي كتبها جماسي عن الشاعر جان دمو ، معتبراً أنها من أبرز نصوص المجموعة، لأنها لا تقدم صورة الصعلوك بالمعنى التقليدي، بل تعيد تعريف الصعلكة بوصفها موقفاً ثقافياً وفلسفياً معارضاً للسلطة والأنظمة الاجتماعية السائدة.
وأكد أن الصعلكة، وفق هذا الفهم، ليست انحيازاً إلى الفوضى أو اللهو، وإنما هي تعبير عن الرفض والاختلاف والسعي إلى تفكيك البنى الجامدة وإعادة مساءلتها، وهو ما نجح جماسي في تجسيده عبر شخصية جان دمو وما تحمله من دلالات رمزية.
المرأة محور البناء الرمزي
وأشار المعموري إلى أن المرأة تشكل الثيمة الأكثر حضوراً في المجموعة القصصية، وأنها لا تظهر بوصفها شخصية عابرة، بل باعتبارها مركزاً رمزياً لفكرة الخصب والحياة والانبعاث.وبيّن أن اهتمامه بهذا الجانب يعود إلى انشغاله الطويل بالميثيولوجيا والأساطير، حيث تحتل المرأة مكانة مقدسة في البنية الرمزية للحضارات القديمة، وهو ما رآه حاضراً بوضوح في قصص جماسي، سواء عبر حضورها المباشر أو عبر الرموز المرتبطة بها، مثل التطريز والنسج والخيط، وهي عناصر عدّها مفاتيح جمالية تتكرر في أكثر من نص داخل المجموعة.
اليومي بوصفه مادة للدهشة
ولفت الناقد إلى أن جماسي يمتلك قدرة على تحويل التفاصيل اليومية المألوفة إلى مادة سردية مشبعة بالدلالات، مؤكداً أن اليومي لا يخلو من طاقة كامنة على الإدهاش والإغواء إذا ما أحسن الكاتب اكتشافها وإعادة تشكيلها فنياً.
وأضاف أن هذه القدرة تتجلى في تحويل الشخصيات الهامشية إلى رموز إنسانية، وفي منح الأشياء العادية أبعاداً فكرية وجمالية تتجاوز ظاهرها.
قراءة في القصة الأولى
وفي انتقاله إلى قراءة النصوص، توقف المعموري عند القصة الأولى في المجموعة، واصفاً إياها بأنها من أكثر النصوص إثارة، لما تطرحه من أسئلة تتعلق بوضع المرأة في المجتمع العراقي.
وأشار إلى أن الكاتب يرسم صورة أربع نساء تجاوزن الأربعين من العمر، وهي عتبة يحمّلها المجتمع كثيراً من الأحكام القاسية، إذ تصبح المرأة بعدها أسيرة الشعور باليأس وتراجع فرص تحقيق أحلامها، في مقابل استمرار المجتمع بمنح الرجل فرصاً مفتوحة في مختلف مراحل العمر. وأوضح أن جماسي يوظف في هذه القصة رموز النسج والتطريز والبيت ذي الغرف الأربع، مستدعياً أبعاداً ميثيولوجية ترتبط بالرقم أربعة وبفكرة الخصب والتجدد، وهي إشارات رأى فيها المعموري مفاتيح أساسية لفهم البنية العميقة للنص، مؤكداً أن هذه الرموز ستتضح دلالاتها بصورة أوسع مع التقدم في قراءة بقية القصص.