
تكفي بعض المقارنات البسيطة بين أرقام وإحصائيات صادرة عن جهات ومنظمات متخصصة للكشف عن كثير من الحقائق المذهلة والخطيرة التي تحاول مساحيق الشعارات الرنانة إخفاءها و التستر عليها، وهي حقائق تعري عن الوجه الحقيقي للنظام العالمي السائد .
تكفي أيضا متابعة الركام الهائل من التقارير ونشرات الأخبار وتصريحات المسؤولين وما يصدر عن العدد الكبير من المؤتمرات والندوات والمنتديات التي تكلف مبالغ مالية طائلة، والتي تبدي جميعها اهتماما كبيرا بالأوضاع الإنسانية في العالم خصوصا ما يتعلق بمحاربة الفقر والمجاعة والهشاشة الاجتماعية والعناية بالرعاية الصحية وغيرها، وفي كثير من الأحيان تبدو هذه الأهداف قريبة المنال والتحقق بالنظر إلى قوة الشعارات المرفوعة وحماسة الخطابات .
لكن ثمة أرقام وإحصائيات أخرى تعكس حقيقة الواقع السائد بعيدا عن المساحيق التي تحاول بعض الجهات تزيين وجوهها القبيحة بها.. لنأخذ بعض الأمثلة والنماذج التي تكشف عن التباين الكبير بين ما يرفع من شعارات رنانة والحقيقة كما هي سائدة في الواقع .
آفة المجاعة تهدد حياة أكثر من 400 مليون شخص في كثير من مناطق الكرة الأرضية، والحديث هنا عن المجاعة وليس عن سوء التغذية ولا عن النقص في الغذاء. وتؤكد تقارير كثيرة صادرة عن منظمات دولية متخصصة، في مقدمتها المنظمات التابعة للأمم المتحدة أن القضاء على المجاعة في جميع مناطق العالم في أفق سنة 2030 لا يكلف أكثر من 93 مليار دولار سنويا .ويبدو المبلغ كبيرا لأول وهلة ، و من الصعب تحصيله، لكن حينما نستحضر أن هذا المبلغ يمثل نسبة 1 بالمائة فقط من الإنفاق العسكري خلال العقود القليلة الماضية حيث تجاوز هذا الإنفاق 21,9 تريليون دولار، بمعنى أنه كان بإمكان الدول العظمى الأكثر إنفاقا على ترسانتها العسكرية، وهي بصفة عامة الدول الغربية التي أثقلت مسامعنا بشعارات الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية للبشرية، أن تقتطع نسبة 1 بالمائة فقط مما أنفقته على ما يدمر الحياة والكون لتقضي على المجاعة في العالم.
تقرير آخر حديث صادر هذه المرة عن (الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية) وهي المنظمة التي حصلت على جائزة نوبل للسلام لعام 2017، يعطي مشروعية كاملة لما ذكرناه سابقا، حيث يؤكد أن القوى النووية في العالم زادت من إنفاقها على ترسانتها النووية بمستوى قياسي بلغ خلال السنة الماضية نحو 119 مليار دولار، بزيادة وصلت إلى 19 بالمائة عما كانت عليه قبل سنة واحدة فقط. ويزيد التقرير في منسوب الصدمة حينما يكشف أن الدول التسع المالكة للأسلحة النووية أنفقت على مدى السنوات الخمس الماضية أكثر من 470 ملايين دولار .
مقابل كل هذا ينبه تقرير حديث صادر عن منظمة اليونسكو من خطورة استمرار انخفاض الدعم المالي الذي تقدمه الدول المانحة للنهوض بأوضاع التعليم في الدول النامية، حيث لم يتوقف مؤشر هذا الانخفاض عن التوقف طيلة العقد الأخير، في حين تشير تقارير متخصصة أخرى إلى أن حجم الإنفاق على الرعاية الصحية في الدول ذات الدخل المنخفض لا يتعدى 17 دولارا للفرد سنويا بينما يصل في الدول المتقدمة إلى أكثر من 90 دولارا للفرد الواحد سنويا، وأنه لتحقيق التوازن المتوسط في الرعاية الصحية في الدول النامية يتطلب إنفاقا سنويا لا يقل عن 60 دولارا للفرد الواحد .لذلك كله وغيره كثير ندرك حجم النفاق في نظام عالمي ظالم، فبينما تصرف المبالغ المالية الهائلة والخيالية على ما يهدد الحياة والكون بالدمار الشامل يقع التقشف المتشدد في تمويل ما يضمن استمرار الحياة، ويحقق جزءا من العدالة في الاستفادة من الثراء العالمي .