رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
في زيارة الأربعين


المشاهدات 1096
تاريخ الإضافة 2026/08/04 - 11:24 PM
آخر تحديث 2026/08/06 - 12:04 AM

 
لا يخفى على المتتبع في التراث الديني والفقهي للإمامية أن جملةً من الشعائر التي استقر عليها عمل المؤمنين عبر القرون لم تكن بمنأى عن البحث الاستدلالي والتحقيق الرجالي بل إن عناية الأعلام بها كانت أشد كلما ازداد حضورها في وجدان الأمة واتسعت آثارها في الحياة الدينية، ومن أوضح مصاديق ذلك زيارة الأربعين للإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فإنها وإن كانت مما تلقته الطائفة بالقبول وجرت عليه السيرة المستمرة خلفاً عن سلف، إلا أن المنهج العلمي الذي قامت عليه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لا يكتفي بثبوت السيرة أو اشتهار العمل، وإنما يستدعي الوقوف على المستند الروائي وتمحيصه سنداً ودلالة ليكون البناء الفقهي قائماً على أساس تام من الحجة.. ومن هنا تبرز أهمية ما حرره سماحة آية الله الفقيه السيد محمد رضا السيستاني (دامت بركاته) في الجزء الثالث من كتابه « قبسات من علم الرجال«، إذ لم يتعامل مع الرواية الواردة في زيارة الأربعين بوصفها نصاً مشهوراً فحسب بل أعاد إخضاعها لمناهج التحقيق الرجالي، فاستقرأ رجالها واحداً بعد آخر ووازن بين المباني المختلفة في التوثيق واستثمر القرائن الطبقية والتاريخية حتى انتهى إلى نتيجة تستحق الوقوف عندها لأنها تمثل ثمرة تحقيق علمي دقيق لا مجرد اعتماد على الشهرة أو الارتكاز .
وقد ابتدأ سماحته ببيان أن الرواية التي أوردها شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (قدس سره) في (التهذيب  ومصباح المتهجد) عن صفوان بن مهران الجمال عن الإمام الصادق (عليه السلام) هي العمدة في الاستدلال على استحباب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في اليوم العشرين من شهر صفر، ثم قرر أن تمامية دلالتها مما لا ينبغي أن يقع مورداً للتردد، فإن متن الزيارة بنفسه شاهد على تعلقها بسيد الشهداء (عليه السلام) مضافاً إلى أن عنوان ( زيارة الأربعين ) قد انصرف في المرتكز الشرعي إلى هذه الزيارة الخاصة وهو انصراف نشأ من السيرة العملية المستمرة للمؤمنين جيلاً بعد جيل حتى صار بمنزلة الحقيقة العرفية في هذا الباب. ثم انتقل سماحته إلى الجهة الأهم وهي البحث السندي، مبيناً أن مورد التأمل لا يتجاوز رجلين من رجال السند.
أما الاول : سعدان بن مسلم، فلم يثبت فيه توثيق خاص في كتب الرجال إلا أنه من رجال كامل الزيارات ومن مشايخ ابن أبي عمير، وهما جهتان لهما أثر في مقام التوثيق على بعض المباني الرجالية، وقد صرح سماحته بأن المختار عنده هو البناء على تمامية أحد هذين المبنيين، فيثبت بذلك الاعتماد على روايته .
فأما الثاني: محمد بن علي بن معمر، فلم يرد فيه توثيق صريح كذلك، غير أن ابن النديم ذكره في الفهرست في عداد فقهاء الشيعة ومحدثيهم وعلمائهم وهو توصيف يكشف عن اشتهاره العلمي ومنزلته بين أهل الفن، ومع عدم ثبوت قدح فيه يكون مقتضى الصناعة الرجالية قبول رواياته. ثم دفع سماحته ما قد يتوهم من الإشكال في علي بن محمد بن مسعدة، موضحاً أن ابن معمر إنما روى الحديث عنه وعن الحسن بن علي بن فضال معاً، ووثاقة ابن فضال ثابتة، فلا يكون عدم ثبوت وثاقة الآخر موجباً لاضطراب السند ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل دعم هذا البناء بجملة من القرائن الطبقية، فلاحظ أن محمد بن علي بن معمر يروي عن رجال الطبقة السابعة، ويروي عنه أعلام الطبقة التاسعة بما ينسجم مع كونه من الطبقة الثامنة، كما أن رواية هارون بن موسى التلعكبري عنه تؤكد امتداد حياته بما يرفع احتمال الانقطاع ويعضد اتصال السند تاريخياً .
وفي ضوء هذه المقدمات انتهى سماحته إلى النتيجة التي تمثل خلاصة التحقيق، وهي قوله:» فالمتجه البناء على تمامية سند الرواية المتقدمة وإمكان التعويل عليها في البناء على استحباب زيارة الأربعين بعنوانها» .
وهذه النتيجة ليست حكماً رجالياًً مجرداً، بل هي تأسيس فقهي قائم على استكمال جميع مراحل التحقيق، إذ اجتمع في هذا البحث إحراز ظهور الرواية في المدلول وإثبات سلامة سندها وفق الضوابط الرجالية، فغدت الرواية صالحة للاحتجاج والاستناد في مقام الاستنباط، وهو المنهج الذي عُرفت به المدرسة الأصولية الإمامية في التعامل مع النصوص حيث لا يغني اشتهار العمل عن تمامية الدليل، كما لا يمنع اشتهار الشعيرة من إعادة النظر في مستندها على وفق موازين العلم والتحقيق .
المصدر:  كتاب « قبسات من علم الرجال» لمؤلفه سماحة آية الله الفقيه السيد محمد رضا السيستاني (دامت بركاته) ج3، ص655-658.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير