رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حين تصبح أمواج البحر ممراً مخلّصاً من ظلم اليابسة


المشاهدات 1104
تاريخ الإضافة 2026/08/04 - 11:23 PM
آخر تحديث 2026/08/06 - 12:05 AM


لم تعد مشاهد الهجرة غير النظامية التي شهدتها مدينة سبتة تُقرأ بوصفها محاولات فردية لعبور الحدود فحسب، بل أصبحت مؤشرًا على تحولات اجتماعية ونفسية عميقة تمس علاقة الأفراد بوطنهم، ورؤيتهم لمستقبلهم، ومدى ثقتهم في إمكان تحقيق ذواتهم داخله. فقد أظهرت تلك المشاهد مشاركة فئات اجتماعية مختلفة، من شباب وأسر بأكملها، حيث حمل آباء أبناءهم، واحتضنت أمهات رُضّعهن، فيما اصطف كبار السن ضمن قوافل الباحثين عن الضفة الأخرى.. هذه الصورة تتجاوز البعد الأمني للهجرة لتطرح أسئلة جوهرية حول التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي.
 الهجرة لطالما ارتبطت، خلال العقود الماضية، بعوامل اقتصادية واضحة. فقد كانت الفوارق التنموية بين المغرب والدول الأوروبية كبيرة على مستوى فرص العمل، ومستويات الدخل، وجودة الخدمات، وظروف العيش، الأمر الذي جعل الهجرة خيارًا عقلانيًا بالنسبة لأعداد واسعة من الشباب الباحث عن تحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن هذا التفسير لم يعد كافيًا لفهم الظاهرة في سياقها الراهن. فالمغرب، رغم استمرار تحدياته المرتبطة بالبطالة وصعوبة الارتقاء الاجتماعي وتفاوت فرص الاستفادة من ثمار التنمية، عرف خلال العقود الأخيرة تحولات اقتصادية وهيكلية مهمة، تمثلت في تطوير البنية التحتية، وتوسيع الاستثمارات، وظهور قطاعات إنتاجية وخدمية جديدة، بما وفر فرصًا لم تكن متاحة للأجيال السابقة. في المقابل، لم تعد أوروبا تمثل تلك الصورة المثالية التي استقرت طويلًا في المخيال الجماعي. فهي تواجه بدورها تحديات اقتصادية متزايدة، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط أسواق العمل، وتصاعد الخطابات السياسية المناهضة للهجرة، فضلًا عن تشديد السياسات المرتبطة باستقبال المهاجرين وإدماجهم.ورغم هذا التحول في معطيات الواقع على الضفتين، لا تزال محاولات الهجرة السرية  مستمرة، بل تتخذ أحيانًا أشكالًا أكثر خطورة. ويقود ذلك إلى افتراض أن دوافع الهجرة لم تعد اقتصادية فقط، وإنما أصبحت ترتبط أيضًا بأبعاد رمزية وثقافية، تتصل بالاعتراف الاجتماعي، وإعادة تعريف النجاح، والمكانة داخل المجتمع.
فالعديد من المهاجرين، بعد وصولهم إلى أوروبا، يباشرون حياتهم المهنية في قطاعات تعتمد على الأعمال اليدوية والخدمات، مثل البناء، والفلاحة، والمطاعم، والتنظيف، ورعاية المسنين، وهي مهن لا تختلف في طبيعتها عن وظائف متوافرة داخل المغرب. غير أن الفارق لا يكمن في نوعية العمل، بقدر ما يتمثل في القيمة الاجتماعية التي يضفيها المجتمع على ممارسته في الخارج مقارنة بممارسته داخل الوطن. وفي هذا السياق، يبدو أن الهجرة أصبحت، لدى بعض الفئات، وسيلة لاكتساب الاعتراف الاجتماعي أكثر من كونها وسيلة لتغيير طبيعة النشاط المهني. فالمهاجر غالبًا ما يُستقبل بوصفه نموذجًا للنجاح، رغم ظروف العمل الشاق، والسكن الصعبة، وضغوط الاندماج. وهكذا يتحول مكان الإقامة، في الوعي الجمعي، إلى مؤشر للنجاح الاجتماعي، بغض النظر عن طبيعة المسار الذي أوصل إليه.. ولا يعني هذا الطرح التقليل من أهمية الهجرة باعتبارها حقًا إنسانيًا مشروعًا، أو إنكار النجاحات التي حققها آلاف المغاربة في مجالات العلم والاقتصاد والبحث والإبداع خارج الوطن، وهي نجاحات تمثل مصدر فخر للمجتمع المغربي. غير أن التمييز يبقى ضروريًا بين هجرة تقوم على مشروع واضح وفرصة مدروسة، وبين هجرة تتحول فيها المخاطرة بالحياة إلى الخيار الوحيد المتصور لتحقيق المستقبل. 
إن مشاركة الأسر والأطفال في محاولات العبور غير النظامي تكشف أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بضبط الحدود أو مكافحة شبكات التهريب، وإنما تعكس أزمة أعمق تتعلق بالثقة، والأمل، والإحساس بالانتماء. فحين يصبح البحر، بكل ما يحمله من مخاطر، أكثر إقناعًا من البقاء، فإن ذلك يشير إلى تراجع الثقة في قدرة المؤسسات الحكومية والمجتمع على توفير أفق يبعث على الاطمئنان.
ومن ثم، فإن مواجهة الظاهرة لا تقتصر على خلق فرص الشغل، رغم أن ذلك يظل ركيزة أساسية لأي سياسة تنموية، بل تستوجب أيضًا ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وإعادة الاعتبار لقيمة الكفاءة والعمل، بما يسمح للشباب باستعادة الثقة في أن الاجتهاد داخل الوطن قادر على صناعة مستقبل كريم، وأن الكرامة الإنسانية لا ترتبط بمكان الإقامة أو بجواز السفر، وإنما بما يحققه الإنسان من إنجاز داخل مجتمعه. لقد أظهرت مشاهد سبتة أن إصدار الأحكام الأخلاقية على من خاطروا بحياتهم لا يسهم في فهم الظاهرة، لأن الدوافع الفردية غالبًا ما تتشكل تحت تأثير الإحباطات المتراكمة والآمال المؤجلة. غير أن ما يستدعي القلق فعلًا هو تحول الهجرة السرية إلى ثقافة اجتماعية، يصبح معها البحر بديلًا عن المؤسسات، والهجرة بديلًا عن التنمية، والرحيل مرادفًا للنجاح. وفي ضوء ذلك، لم يعد السؤال المركزي هو عدد الذين تمكنوا من عبور البحر، بل كيف وصل جزء من المجتمع إلى الاقتناع بأن الأمواج أكثر وعدًا بالمستقبل من اليابسة، وأن الضفة الأخرى تمنح ما عجز الوطن، في نظرهم، عن توفيره من أمل واعتراف وإحساس بالانتماء.. إن الإجابة عن هذا السؤال تمثل مدخلًا ضروريًا لفهم الظاهرة وصياغة سياسات أكثر قدرة على معالجة أسبابها البنيوية، بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير