رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حسن النية في تنفيذ العقود .. مبدأ قانوني لا يكتب دائماً لكنه يحكم كل علاقة تعاقدية


المشاهدات 1100
تاريخ الإضافة 2026/08/04 - 11:19 PM
آخر تحديث 2026/08/06 - 12:05 AM

في كرة القدم، لا تُقاس قوة العقد بعدد صفحاته، ولا بعدد البنود التي يتضمنها، بل بمدى التزام طرفيه بتنفيذه بروح من حسن النية. فهذا المبدأ، رغم أنه لا يُفرد له بند مستقل في معظم العقود، يُعد من أهم المبادئ التي تستند إليها الهيئات القضائية الرياضية عند الفصل في المنازعات. فالعقد ليس مجرد كلمات مكتوبة، بل علاقة قانونية تقوم على الثقة والالتزام والتعاون بين النادي واللاعب. وقد يعتقد البعض أن الالتزام بالعقد يعني فقط دفع الرواتب في مواعيدها أو حضور اللاعب للتدريبات والمباريات، لكن الواقع القانوني أوسع من ذلك بكثير. فحسن النية يفرض على كل طرف أن يتصرف بطريقة لا تهدف إلى الإضرار بالطرف الآخر، وألا يستخدم نصوص العقد لتحقيق غاية تخالف روحه أو مقصده.
في كثير من القضايا التي نظرت فيها الهيئات القضائية التابعة للفيفا، لم يكن الخلاف حول وجود حق أو عدمه، بل حول طريقة ممارسة هذا الحق. فالنادي قد يمتلك صلاحية فرض عقوبة انضباطية على اللاعب، لكنه إذا استخدم هذه الصلاحية بصورة تعسفية أو بهدف الضغط عليه لفسخ العقد، فإن الأمر قد يُفسر على أنه إخلال بمبدأ حسن النية. وفي المقابل، قد يمتلك اللاعب حق المطالبة بمستحقاته المالية، لكنه إذا تعمد استغلال خطأ إداري بسيط لإنهاء العقد دون منح النادي فرصة لمعالجة الوضع، فقد يؤثر ذلك في تقييم موقفه القانوني. ولعل من أكثر الأمثلة وضوحًا، الحالات التي يتأخر فيها النادي في دفع راتب لاعب لسبب إداري أو مصرفي لبضعة أيام، ثم يبادر اللاعب مباشرة إلى اتخاذ إجراءات قانونية دون أي تواصل أو إخطار. صحيح أن المطالبة بالحقوق حق مشروع، لكن الجهات القضائية تنظر أيضًا إلى سلوك الطرفين، وهل كان كل منهما يسعى فعلًا إلى تنفيذ العقد، أم إلى إيجاد مبرر لإنهائه.
وفي الاتجاه الآخر، نجد أندية تستبعد لاعبًا من التدريبات الجماعية، أو تمنعه من استخدام مرافق النادي، أو تجبره على التدريب منفردًا دون مبرر فني أو طبي، في محاولة لدفعه إلى قبول إنهاء العقد أو تخفيض مستحقاته. مثل هذه الممارسات لم تعد تمر دون مساءلة، لأن الفيفا تنظر إليها باعتبارها إخلالًا بالالتزام الأساسي المتمثل في تنفيذ العقد بحسن نية واحترام كرامة اللاعب المهنية.
كما يظهر هذا المبدأ في مرحلة المفاوضات السابقة للتوقيع. فإذا دخل نادٍ في مفاوضات جادة مع لاعب، وطلب منه السفر وإجراء الفحص الطبي، ثم تراجع في اللحظة الأخيرة دون سبب معقول بعد أن تكبد اللاعب نفقات وخسر فرصًا أخرى، فإن سلوك النادي قد يخضع للتقييم من زاوية حسن النية، حتى لو لم يُوقع العقد النهائي.ولذلك، لم تعد الإدارات القانونية الناجحة تركز فقط على تفسير نصوص العقود، بل أصبحت تهتم أيضًا بكيفية تنفيذها عمليًا. فالتصرفات اليومية، والمراسلات، والاجتماعات، والإنذارات، وحتى أسلوب التواصل بين الطرفين، قد تتحول إلى أدلة تؤثر في نتيجة أي نزاع مستقبلي.
إن الاحتراف الحقيقي لا يظهر عند توقيع العقد، بل عند أول خلاف بين الطرفين. ففي تلك اللحظة، يتبين من يسعى إلى حل المشكلة وفقًا للقانون، ومن يحاول استغلالها لتحقيق مكاسب لا تتفق مع روح العدالة.
الخاتمة: قد تمنحك بنود العقد حقًا قانونيًا، لكن حُسن النية هو الذي يمنحك القوة الأخلاقية والقانونية في الدفاع عنه. ولهذا تحرص الهيئات القضائية الرياضية على النظر إلى الوقائع كاملة، لا إلى النصوص المجردة فقط. وفي «مرمى اللائحة»، يبقى الدرس واضحًا: ليس المهم أن تعرف ما يتيحه لك العقد، بل كيف تمارس هذا الحق بما ينسجم مع مبادئ العدالة والاحتراف.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير